تكتسب كرة السلة السورية في مواسمها الأخيرة إثارة استثنائية وزخماً جماهيرياً كبيراً، يرافقه حراك فني لافت على مستويات الأندية والمنتخبات الوطنية، وفي قلب هذا المشهد المتسارع، يبرز اسم المدرب الوطني الكابتن هيثم جميل، الذي يقود دفة الفارس الأزرق “سلة نادي الكرامة”، إلى جانب توليه المهمة الوطنية الأبرز كمدير فني للمنتخب السوري الأول للرجال.
موقع تلفزيون سوريا التقى بالكابتن هيثم جميل في حوار تحدّث فيه عن تقييمه الفني لمستوى دوري المحترفين السوري هذا الموسم، كاشفاً عن كواليس الصعوبات التي تواجه الأندية في استقطاب المحترفين الأجانب، ومبدياً رأيه في تأثير اللاعب الأجنبي على المواهب المحلية، كما تطرق الحوار لخطط تحضير “نسور قاسيون” للمواجهات المصيرية القادمة أمام إيران والعراق، وتفاصيل ملف اللاعب المجنس، في قراءة فنية ونقدية عميقة لواقع ومستقبل اللعبة في سوريا.
كابتن هيثم، كيف تقيمون المستوى الفني العام لدوري المحترفين بكرة السلة في نسخته الحالية؟
أعتقد وبوضوح أن المستوى الفني للدوري هذا الموسم كان أفضل بكثير، وشهد تصاعداً ملحوظاً وقوة تنافسية أكبر مقارنة بالمواسم السابقة، لقد أتاح هذا الموسم مساحة حقيقية لجميع الأندية لإثبات ذاتها والمنافسة بقوة على بطاقات التأهل والمراكز المتقدمة.
ولا شك أن قرار السماح بتواجد ثلاثة لاعبين أجانب رفقة كل فريق قد أضفى نكهة تنافسية استثنائية على المباريات، ورفع من نسق اللعب الفني والبدني بشكل كبير، أتمنى بصدق أن يستمر العمل بهذه الرؤية وتدعيمها، لأن النتائج الفنية الحقيقية والإيجابية لهذه التجربة ستنعكس بوضوح على تطور كرة السلة المحلية بعد مرور أربعة أو خمسة مواسم من الآن.
بصفتك مديراً فنياً لسلة نادي الكرامة.. هل أنت راض عما حققه الفريق حتى الآن؟ وهل كان بالإمكان تقديم أفضل مما كان؟
في عالم التدريب، لا يوجد مدرب يملك شغف التطوير والانتصار يمكنه القول إنه راض رضا تاماً ومطلقاً عن أداء فريقه، فالطموح للأفضل يظل دائماً هو المحرك الأساسي لنا.
بكل أمانة، تجرعنا مرارة الهزيمة في بعض المباريات التي لم نكن نستحق الخسارة فيها على الإطلاق بالنظر إلى حجم الجهد الكبير والعطاء والتكتيك الذي بذلناه خلالها، وبقراءة موضوعية وشاملة لمجمل مسيرة الفريق، ووفقاً للمعطيات الفنية المتوفرة والتوليفة الحالية للعناصر واللاعبين، كان طموحنا وإمكاناتنا تؤهلنا لتقديم نتائج ومستويات أفضل مما تحقق بالفعل.
بعد قيامكم بتدعيم صفوف الكرامة بمحترف أجنبي جديد، ما هي تطلعاتكم وتوقعاتكم لما يمكن أن تقدمه سلة الفارس في المرحلة المقبلة؟
مما لا شك فيه أننا، كحال بقية الأندية الطامحة للمنافسة، نسعى جاهدين للتعاقد مع اللاعب الأجنبي الأفضل والقادر على إحداث الفارق الفني المطلوب في أرض الملعب، لكن الحقيقة تفرض علينا القول إن جميع الأندية السورية وقعت في مأزق كبير وعانت من نفس المشكلة هذا الموسم؛ والسبب في ذلك هو تأخر انطلاقة الدوري السوري وغياب الوضوح التام لموعد نهايته.
هذا التخبط والغموض في الروزنامة لم يسمح للأندية بإبرام صفقات مع لاعبين أجانب من الصف الأول، لأن معظم المحترفين المميزين يترددون في القدوم عندما يكتشفون أن الدوري السوري سينتهي في شهر تموز (يوليو) وهو موعد متأخر عالمياً، لذلك، كانت عملية البحث عن محترفين تتم بصعوبة بالغة ومستوياتهم لم تكن تماماً بالحجم الذي نتمناه ونطمح إليه للارتقاء بالفريق.
من كلامك كابتن هيثم.. ألا توافقنا الرأي بأن هناك حالة من العشوائية والفوضى باتت تسيطر على ملف التعاقد مع اللاعبين الأجانب في الدوري السوري؟
نعم، أتفق معك تماماً في هذا الجانب، هناك بالفعل حالة من الفوضى في ملف اللاعبين الأجانب، والسبب الجوهري وراء ذلك هو غياب الروزنامة الواضحة والمبرمجة بشكل علمي ومسبق للدوري المحلي.
جمال وقيمة أي نشاط رياضي تكمن في تنظيمه؛ فالبداية المثالية للنشاط يجب أن تكون في شهر تشرين الأول (أكتوبر) على أن يسدل الستار عليه في مطلع شهر حزيران (يونيو)، تطبيق هذا الجدول الزمـني الاحترافي سيتيح لجميع إدارات الأندية والكوادر الفنية وقتاً كافياً ومثالياً لانتقاء أفضل اللاعبين والتحضير الفني والبدني بوعي ووضوح، حيث يعرف كل طرف حقوقه وواجباته وما ينتظره طوال الموسم، كلي ثقة بأن اتحاد كرة السلة ستكون له وقفة جادة ومراجعة شاملة في الموسم القادم لوضع ضوابط صارمة وجديدة تنظم موضوع اللاعبين الأجانب والتعاقد معهم وآليات قيدهم.
يتردد صدى مخاوف لدى البعض من أن الاعتماد على ثلاثة محترفين أجانب مع كل فريق قد يسلب المساحة الفنية للاعب المحلي ويؤثر سلباً على تطوره.. ما هو رأيك الفني في ذلك؟
لا، على العكس تماماً، من وجهة نظري الفنية، تواجد ثلاثة لاعبين أجانب رفقة كل فريق لا يؤثر سلباً على مستويات وخامات اللاعب المحلي مطلقاً، بل أراها خطوة إيجابية ومحفزة، ما نلمسه حالياً على أرض الواقع هو أن اللاعب المحلي يبذل قصارى جهده، ويقدم كل ما لديه لإثبات وجوده، بل ويعيش حالة احترافية مثالية يفرضها عليه التنافس اليومي.
اللاعب السوري يتعلم وينضج سريعاً من خلال الاحتكاك المباشر مع اللاعب الأجنبي ذي الخبرة العالية، سواء كان ذلك في الحصص التدريبية اليومية أو خلال ضغط المباريات الرسمية؛ حيث يكتسب منه الالتزام، الجدية المطلقة، وطرق التعامل مع المواقف الصعبة في الملعب، بصفتي مدرباً وطنياً، أرى في هذه الخطوة مشروعاً إيجابياً وتجربة ممتازة تخدم هدفنا الأساسي في خلق جيل جديد واعد لكرة السلة السورية.
في ظل الصراع المشتعل، من ترى أنه الفريق الأقرب والأوفر حظاً للتتويج بلقب بطولة الدوري هذا الموسم؟
المنافسة شرسة للغاية هذا الموسم بين جميع الفرق دون استثناء، والمستويات متقاربة لحد كبير، لو أردنا التقييم بناءً على معيار الاستقرار والانسجام الفني، فإن فريقي “حمص الفداء” و”الوحدة” يمتلكان حظوظاً وتوليفة تظهرهما بشكل أقوى في المنافسة حالياً.
ومع ذلك، يجب ألا ننسى أن مرحلة “الفاينال فور” (المربع الذهبي) لها حسابات تكتيكية ونفسية مختلفة تماماً؛ واللقاءات فيها ستكون عاصفة بمشاعر الإثارة والندية، وستلعب على تفاصيل صغيرة جداً، مما يبقي باب الاحتمالات مفتوحاً على مصراعيه.
بالانتقال للمهمة الوطنية.. متى ستبدأ رسمياً تحضيرات المنتخب السوري الأول للرجال استعداداً للاستحقاقات والنافذة القادمة؟
بصراحة متناهية، يمثل ملف المنتخب الوطني الأولوية القصوى والأهم بالنسبة لنا، كنا قد وضعنا في خطتنا الفنية السابقة بدء فترة تحضيرية مثالية ومعسكر مغلق يمتد لعشرين يوماً على الأقل، لكن ضغط مباريات الدوري وضيق الوقت حالا دون تطبيق هذه الخطة.
لذلك، قررنا رسمياً إطلاق معسكر المنتخب في منتصف شهر حزيران (يونيو) المقبل، وبسبب ضيق الوقت وضغط الجدول، لن نقوم بدعوة قائمة موسعة من اللاعبين؛ بل سنكتفي باستدعاء 16 لاعباً فقط للتركيز الفني العالي، تكمن مهمتنا الأساسية في هذا المعسكر في التحضير بأعلى درجات الجاهزية للمباراة المؤجلة الهامة أمام منتخب إيران، ومن ثم خوض منافسات النافذة الثالثة بمواجهة منتخبي العراق وإيران مجدداً.
كثرت التساؤلات والاجتهادات حول هوية المحترف المجنس الجديد للمنتخب.. هل من اسم جديد يلوح في الأفق؟
فيما يتعلق بملف اللاعب المجنس، لا يوجد أي جديد حتى اللحظة القرار الفني الحالي هو الإبقاء على المحترف الأمريكي السابق “دونتي” والاعتماد عليه في الاستحقاقات القادمة.
أرى أن المحافظة على الاستقرار الفني وعدم التغيير المستمر في هوية المجنس هو خيار إيجابي جداً للمجموعة؛ لكون اللاعب قد تأقلم بشكل ممتاز مع التوليفة، وظهر بمستوى لافت ومبشر في مبارياته السابقة، وقدم للمنتخب إضافة هجومية وصناعة لعب ممتازة كنا نفتقدها، وعلى الأرجح، سيكون متواجداً وبقوة معنا في المباريات القادمة.
في الأوساط الرياضية السورية، يصفك الكثير من النقاد والجماهير بـ “المدرب الوطني الأول” حالياً.. كيف تستقبل هذا التقييم؟
في البداية أتوجه بخالص الشكر والتقدير لكل شخص وكل جهة إعلامية أو جماهيرية تضع ثقتها بي وتقيمني كأحد المدربين البارزين في هذا البلد الحبيب.
بالتأكيد، لا يوجد شخص في هذه المهنة يمكنه تقييم نفسه؛ فالتقييم الحقيقي والمنصف لا يصدر من الكلمات بل يبنى بالدرجة الأولى على العمل والنتائج الواقعية التي يقدمها المدرب برفقة ناديه أو مع المنتخب الوطني في المحافل المختلفة، كل ما أتمناه بصدق هو أن أكون عند حسن الظن، وأن نواصل العمل لتطوير كوادرنا لنكون بين أفضل المدربين، وسأبذل كل قطرة عرق وكل ما أملك من معرفة وخبرة في سبيل الارتقاء بكرة السلة السورية وتطويرها لتتبوأ المكانة التي تستحقها عربياً وقارياً.
شارك هذا المقال
