أكدت العديد من الدراسات العلمية الحديثة أن تعرض الأطفال والمراهقين غير المنظم لمحتوى شبكات التواصل الاجتماعي بات من أبرز التحديات التي تواجه الجهود الدولية والمؤسساتية الداعمة للصحة العامة والتنمية البشرية، لما لها من آثار مباشرة على النمو الذهني والنفسي والاجتماعي، مشددة على أهمية فرض حضور فعال للأطر التشريعية المنظمة لوصول الفئات العمرية الصغيرة إلى الفضاء الرقمي.
الإمارات تقود الحماية الرقمية
يأتي قرار مجلس الوزراء في دولة الإمارات بشأن تنظيم وصول الأطفال لمنصات التواصل الاجتماعي ليجسد توجه الدولة نحو بناء نموذج متقدم يحمي الطفل رقمياً. ويهدف القرار إلى تعزيز منظومة السلامة الرقمية، والموازنة بين الاستفادة من التقنيات الحديثة وضمان أعلى معايير الحماية.
وتكشف البيانات أن 95% من المراهقين يستخدمون هذه المنصات يومياً، بمعدلات تتراوح غالباً بين 3 إلى 5 ساعات، وتصل في حالات معينة إلى أكثر من 7 ساعات، ما جعل البيئة الرقمية عنصراً يومياً مؤثراً في صياغة أنماط حياتهم وتعلمهم.
تأثيرات على بنية الدماغ
تظهر دراسة موسعة أجرتها المعاهد الوطنية للصحة في الولايات المتحدة، شملت أكثر من 11 ألف طفل، أن الإفراط في قضاء الوقت أمام الشاشات يرتبط بظهور مؤشرات على انخفاض سماكة القشرة الدماغية في المناطق المسؤولة عن اللغة والتفكير والوظائف التنفيذية. كما يلاحظ تراجع في نتائج اختبارات القدرات اللغوية والتفكير لدى هؤلاء الأطفال، مقارنة بأقرانهم الأقل استخداماً للوسائط الرقمية.
تحذر وكالة العلوم والتكنولوجيا والبحوث في سنغافورة من أن التعرض المفرط للشاشات منذ سن مبكرة قد يؤدي لاحقاً إلى تباطؤ العمليات الذهنية وزيادة مستويات القلق عند المراهقة. وتربط أبحاث أخرى بين الإفراط الرقمي وضعف التركيز، وتأخر النمو اللغوي، وتراجع الذاكرة العاملة، ما يؤثر سلباً على التحصيل الدراسي.
التحديات النفسية والعاطفية
على الصعيد النفسي، ترصد الدراسات زيادة في معدلات القلق والاكتئاب بين المراهقين مع ارتفاع ساعات الاستخدام اليومي للمنصات الرقمية. ويؤثر الاستخدام المتكرر على مناطق الدماغ المسؤولة عن الاستجابة العاطفية والتفاعل الاجتماعي، حيث تظهر الفتيات تأثراً أكبر بالمضامين المتعلقة بصورة الجسد والمقارنات الاجتماعية، ما يزيد من احتمالات اضطرابات المزاج.
المخاطر الصحية والبدنية
لا تتوقف الأضرار عند الجانب النفسي والذهني، بل تمتد لتشمل الصحة البدنية؛ حيث يرتبط الاستخدام المطول للشاشات باضطرابات النوم، وقلة النشاط البدني، وزيادة الوزن. وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن المراهقين باتوا يستبدلون الرياضة والهوايات بالمنصات الرقمية، مما يزيد من احتمالات السمنة لدى من يتخطى استخدامهم الساعتين يومياً.
إعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية
اجتماعياً، تغير هذه الشبكات نمط التفاعل الإنساني، فبينما وفرت فرصاً للتواصل الافتراضي، تسببت في ضعف مهارات التواصل المباشر. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن المراهقين يسجلون معدلات عالية من الشعور بالوحدة عالمياً نتيجة تراجع اللقاءات الواقعية.
نحو استخدام متوازن وحوكمة رقمية
تؤكد النتائج البحثية أن العلاقة بين استخدام التواصل الاجتماعي ورفاهية الطفل تعتمد على “التوازن”؛ حيث يحقق الاستخدام المعتدل نتائج أفضل من الاستخدام المفرط أو الحرمان التام، مما يتيح التواصل والاستفادة المعرفية دون ضغوط نفسية.
ختاماً، يتسق القرار التشريعي في دولة الإمارات مع التوجه العالمي لتعزيز القوانين المنظمة لوصول الأطفال للمنصات الرقمية، من خلال وضع ضوابط عمرية وحماية الصغار من المحتوى غير المناسب.
هذا المحتوى للأغراض المعلوماتية العامة ولا يغني عن استشارة طبيب أو مختص مرخّص.
