هل تنجح دمشق في سحب “السلاح المنفلت” وإعادة احتكار القوة؟
شهدت الأوساط المحلية في سورية أخيراً انهياراً أمنياً جديداً تمثل في حادثتين مؤلمتين؛ الأولى في بلدة “زاكية” بريف دمشق، والثانية في محافظة حماة حيث أسقطت رصاصتان طائشتان شاباً في ليلة زفافه. هاتان الحادثتان لا تعكسان فقط انفلات الأمور، بل تمثلان جزءًا من أزمة أكثر عمقاً. فمع مرحلة إعادة بناء المؤسسات في سورية بعد سنوات من الحرب، أصبح ملف “السلاح المنفلت” من أبرز التحديات المهددة للسلم الأهلي. تشير التقديرات إلى أن الأشهر الثلاثة الماضية شهدت مقتل وإصابة أكثر من 268 شخصاً نتيجة الاستخدام العشوائي للنيران، مما يثير تساؤلات حول مدى قدرة السلطات على التعامل مع هذا الواقع.
جذور الانتشار وخصوصية “المعادلة السورية”
بالمقارنة مع دول عديدة، تمتلك الحالة السورية تعقيدات فريدة. فالسلاح الموجود في أيدي المدنيين هو نتاج مباشر لانهيار مستودعات عسكرية كاملة، مما أدى إلى تدفق ملايين الأسلحة إلى الأسواق السوداء. تُظهر التقارير أن هذه الحالة نتجت عن تفاعلات بين بقايا النظام السابق والمجموعات المسلحة وشبكات الجريمة المنظمة.
إضافة إلى ذلك، تعكس الكثير من هذه الظواهر بعدًا اجتماعيًا ونفسيًا ترسخ خلال سنوات الحرب، حيث أصبح السلاح وسيلة يومية لفض النزاعات الشخصية، مما أدى إلى تعميق الفوضى. ومن ثم، اتجهت العائلات والعشائر في الريف إلى التخزين المنهجي للأسلحة كحق دفاعي عن أنفسهم في ظل عدم الاستقرار.
“انتشار الدولة وأجهزتها الشرطية لم يكتمل بعد بالكفاءة ذاتها في كافة الأرياف، مما يجعل إنفاذ القانون متفاوتاً بين المناطق الحضارية والريفية”، كما أوضح الخبراء.
المقاربة الأمنية في ميزان الشارع وبنية القانون السوري
تواجه السلطات السورية تحديات كبيرة في تفعيل القوانين اللازمة لضبط هذه الحالة. حيث يُعرّف القانون السلاح المنفلت بأنه كل سلاح يُحمل دون ترخيص رسمي. بناءً عليه، بدأت وزارة الداخلية خطة لحصر السلاح من خلال إنشاء قاعدة بيانات دقيقة، من خلال دراسة سلوكية ونفسية للمطالبة بالتراخيص.
التكييف القضائي لعواقب إطلاق النار العشوائي يصبح أكثر صرامة. على سبيل المثال، قد يتم الحكم على الفاعل “بالقتل القصد” في حالة وفاة أي شخص نتيجة سلوكه المتهور، مما يبين مدى جدية السلطات في مواجهة هذه الظاهرة.
ومع ذلك، يثير الشارع السوري تساؤلات بشأن كفاءة تطبيق هذه القوانين. بينما تركز حملات الضبط على المركبات غير النظامية، يرى المواطنون أن التعامل مع السلاح يجب أن يكون بقدر من الجدية ذاتها، ما يبرز فجوة في إنفاذ القانون.
“لم تُبسط الدولة سيادتها بصورة كاملة، مما يؤدي إلى تفشي الحكم العشائري في مناطق عديدة”، أضاف مراقب في الشأن.
متى وكيف يضبط السلاح؟ سيناريوهات ومسارات الحل المستقبلي
بحسب خبراء، فإن السؤال عن موعد انتهاء زمن السلاح المنفلت يحتاج إلى مقاربة استراتيجية طويلة الأجل. وفي هذا السياق، يشير فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، إلى ضرورة وجود “الأمن البديل الموثوق”. المجتمعات المحلية لن تتخلى عن سلاحها ما لم تشعر بحماية من قبل قوة شرطة محلية فعالة.
الركيزة الثانية تتعلق بالتحول من العمليات العسكرية إلى ترتيبات أمنية مجتمعية تهدف إلى بناء الثقة بين السلطات والمواطنين. بالإضافة إلى ذلك، يُنصح بدمج الردع القانوني مع الأعراف الاجتماعية، مثل فرض عقوبات اجتماعية قاسية.
يبقى القضاء والشرطة هما الملاذ الآمن للمواطن السوري، حيث يُقاس النجاح بمدى انخفاض ضحايا الرصاص الطائش، وهو ما يمثل اختباراً حقيقياً لسلطة الدولة.
أسئلة شائعة (FAQ)
ما هي الأسباب الرئيسية لانتشار السلاح المنفلت في سورية؟
السلاح المنفلت نتج عن انهيار مستودعات عسكرية وتفشي الفوضى نتيجة الحرب الطويلة.
كيف تواجه السلطات السورية ظاهرة السلاح المنفلت؟
تعمل السلطات على تفعيل قوانين السلاح وتطبيقها بشكل صارم من خلال إنشاء قواعد بيانات وضوابط لتراخيص الأسلحة.
ما هو دور المجتمع المحلي في ضبط السلاح؟
المجتمع المحلي يلعب دوراً مهماً في التأمين الذاتي، ولذلك يحتاج إلى دعم من الأجهزة الشرطية للحصول على الأمن والطمأنينة.
