في ساعة مبكرة من صباح الأربعاء 15 كانون الثاني 2026، وصل وفد أمني سوري رفيع إلى بيروت حاملاً ملفاً بالغ الحساسية. دمشق سلّمت رسمياً لبنان لوائح بأسماء ضباط وشخصيات وصفتهم بأنهم من فلول النظام السوري المخلوع، مطالبة بتوقيفهم أو تقييد تحركاتهم. الخطوة جاءت في سياق تنسيق أمني متصاعد بين البلدين، وسط مخاوف من إعادة تنشيط شبكات مالية وأمنية عابرة للحدود.
تنسيق أمني مباشر بين دمشق وبيروت
بحسب مصادر أمنية لبنانية تحدثت لـ”سوريا نت”، زار مساعد مدير المخابرات السورية العميد عبد الرحمن الدباغ بيروت، حيث التقى مدير المخابرات في الجيش اللبناني العميد طوني قهوجي. خلال اللقاء، سلّم الدباغ لائحة موسّعة بأسماء ضباط كبار من فلول النظام السوري المخلوع، معتبرة دمشق أنهم يشكّلون امتداداً لشبكات أمنية ومالية لا تزال فاعلة خارج سوريا.
وقال مصدر أمني لبناني مطّلع على اللقاء: “الزيارة لم تكن بروتوكولية، بل حملت طلبات واضحة تتعلق بضبط التحركات والتمويل”. وأضاف أن الأسماء الواردة تشمل شخصيات بارزة، من بينها جميل الحسن وغياث دلا، وهما اسمان لطالما ارتبطا بملفات أمنية حساسة في السنوات الماضية.
هذا التطور يأتي بعد أسابيع من سقوط النظام السوري السابق في كانون الأول 2025، وما تبعه من فرار عشرات الضباط إلى دول مجاورة، في مقدمتها لبنان، مستفيدين من شبكات علاقات مالية واجتماعية قديمة.
توقيف أحمد دنيا.. بداية التحول
التحرك السوري–اللبناني لم يأتِ من فراغ. فبحسب المصادر ذاتها، جاء تسليم اللوائح مباشرة بعد توقيف المواطن السوري أحمد دنيا في منطقة جبيل شمال بيروت. عملية التوقيف، التي نفذتها الأجهزة الأمنية اللبنانية قبل أيام، عكست انتقال الطرفين من مرحلة المتابعة الصامتة إلى الضغط الأمني المباشر على فلول النظام السوري المخلوع.
ووفق وثائق وتسجيلات بثّتها قناة الجزيرة، يُعد أحمد دنيا الذراع المالي لشبكة رجل الأعمال رامي مخلوف، ابن خال بشار الأسد. وتشير المعلومات إلى أن دنيا كان يتولى تنسيق وصول الأموال إلى مجموعات مسلّحة تعمل بإمرة العميد السابق سهيل الحسن، القائد السابق للفرقة 25، ولا سيما المجموعات الناشطة في الساحل السوري تحت مسمى “سرايا الجواد”.
قال أحمد محمد، الناشط الحقوقي في دمشق، لـ”سوريا نت”: “توقيف دنيا ضربة مباشرة للشريان المالي الذي اعتمدت عليه فلول النظام لإعادة تنظيم صفوفها”. وأضاف أن هذه الشبكات اعتمدت على لبنان كنقطة عبور للأموال بسبب هشاشة الرقابة المالية سابقاً.
لوائح بأكثر من 200 اسم
تؤكد مصادر أمنية أن اللوائح التي سلّمتها دمشق تضم أكثر من 200 ضابط من فلول النظام السوري المخلوع، فرّوا إلى لبنان بعد سقوط النظام. هذه المعلومات تتقاطع مع تقرير نشرته وكالة رويترز، أشار إلى تسليم رسمي للأسماء إلى مخابرات الجيش اللبناني، مع طلب واضح بمتابعة قانونية دقيقة.
اللائحة لا تقتصر على ضباط أمنيين فقط، بل تشمل وسطاء ماليين وشخصيات لعبت دور حلقة الوصل بين رامي مخلوف وشبكات التمويل. كما وردت أسماء قريبة من رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية السابق كمال الحسن، ومدير مكتب الأمن القومي كفاح ملحم.
في هذا السياق، أوضح مصدر قضائي لبناني، فضّل عدم ذكر اسمه، أن “أي إجراء سيتخذ بحق هذه الأسماء يجب أن يراعي القوانين اللبنانية والاتفاقات الدولية”، مشيراً إلى أن الملف يخضع لمتابعة دقيقة بسبب حساسيته السياسية والطائفية.
تفكيك الشبكات المالية
التحقيقات اللبنانية لم تتوقف عند حدود الأسماء. فقد تزامن توقيف أحمد دنيا مع توقيف مواطن لبناني يُعرف بالحرفين ب.ح، من سكان جبل محسن، أثناء محاولته مغادرة مطار بيروت وبحوزته مليون وثمانمئة ألف دولار. ادعى الرجل أن المبلغ تبرعات لبناء دار للطائفة العلوية في شمال لبنان، غير أن الشبهات تحوم حول ارتباط الأموال بتمويل فلول النظام السوري المخلوع.
وبحسب مصدر أمني لبناني، تلقت بيروت خلال الأسابيع الأخيرة تقارير أمنية من فرنسا ودول عربية، تطالب بالتحقق من وجود ضباط سابقين في جيش ومخابرات النظام السوري المخلوع على الأراضي اللبنانية. هذه التقارير دفعت الأجهزة الأمنية إلى تنفيذ مداهمات محددة في مناطق عدة، شملت جبيل، طرابلس، وضواحي بيروت.
لاحظ مراسلنا، خلال جولة في شوارع بيروت الشمالية المزدحمة، انتشاراً أمنياً غير معتاد قرب بعض الأحياء، وسط حديث همس بين السكان عن “ملاحقات هادئة” تطال شخصيات معروفة بانتمائها السابق للنظام السوري.
ملف مفتوح على احتمالات عدة
يبدو أن ملف فلول النظام السوري المخلوع بات اختباراً حقيقياً للعلاقة الأمنية بين دمشق وبيروت. فبين مطالب سورية حازمة وضغوط دولية متزايدة، يجد لبنان نفسه أمام تحدي تحقيق توازن دقيق بين الأمن والسيادة والقانون. الأيام المقبلة ستكشف ما إذا كانت هذه الخطوات ستنجح في تفكيك الشبكات المالية بالكامل، أم أن الملف سيفتح فصولاً أكثر تعقيداً على جانبي الحدود.
الأسئلة حول فلول النظام السوري المخلوع
ما المقصود بفلول النظام السوري المخلوع؟
هم ضباط وشخصيات أمنية ومالية مرتبطة بالنظام السوري السابق، ويُشتبه بمحاولتهم إعادة تنظيم شبكات نفوذ بعد سقوطه.
لماذا سلّمت دمشق الأسماء إلى لبنان الآن؟
بحسب مصادر مطلعة، جاء ذلك بعد توقيف أحمد دنيا، ما كشف مسارات مالية نشطة وفرض تحركاً سريعاً.
هل ستشهد المرحلة المقبلة مداهمات أوسع؟
تشير المعطيات إلى أن التحقيقات مستمرة، وقد تتوسع وفق ما تكشفه التحقيقات والوثائق.
