في الريف الشمالي لحماة، يعتبر الأهالي الفستق الحلبي أكثر من مجرد محصول زراعي؛ هو رمز للذاكرة الاقتصادية والاجتماعية لعائلات كانت تمتلك هذه البساتين لعدة أجيال. ومع ذلك، فقد أدت سنوات الحرب وما تلاها من تهجير وتبدل في السيطرة على القرى إلى إعادة رسم خريطة الملكية والإنتاج، حيث برزت شركة “اكتفاء” كفاعل رئيسي في تنظيم الموسم الزراعي.
شركات تدير الزراعة تحت ضغوط النزاع
تأسست شركة “اكتفاء” عام 2021 بعد دمج شركتي “غراس” و”الخضراء”، اللتين نشطت في إدلب خلال الحرب. تعنى الشركة بإدارة واستثمار الأراضي الزراعية التي لا يستطيع مالكوها الوصول إليها، عبر إبرام عقود مع مزارعين ومستثمرين محليين. وقد وسعت نشاطها بعد عام 2024 ليشمل عدة محافظات سورية، بما في ذلك حماة وحمص واللاذقية وطرطوس، حيث تدير آلاف الدونمات من البساتين، خاصة الفستق الحلبي.
يترأس الشركة محمد حنوف، ويُعتبر دورها محور جدل بين المزارعين الذين يشعرون أنهم مُنعوا من الوصول إلى أراضيهم، وبين مسؤولين في الشركة يؤكدون أن إدارتها مؤقتة لحين تسوية أوضاع أصحاب الملكيات.
شهادات مزارعين: بين الظلم والاستقرار
أوضح مزارع من ريف حماة، طلب عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية، الوضع بقوله: “عدنا بعد سنوات لنجد أن أرضنا تُدار بعقد مع شخص آخر”. ويضيف مزارع آخر بنبرة أكثر حدة: “الأشجار التي زرعها أبي قبل 40 عاماً تُجنى باسم طرف آخر”. وفي المقابل، يتفق مزارع آخر من المتعاملين مع “اكتفاء” على أن “وجود جهة تنظيمية حماهم من فقدان مواسمهم بالكامل”.
“اكتفاء”: الدور المؤقت والجدل المستمر
تؤكد “اكتفاء” أن العقود التي تبرمها لا تلغي حقوق الملكية الأصلية، بل تنظم استخدامها بشكل مؤقت. لكن المزارعين المتضررين يرون أن هذا الترتيب يمثل سيطرة طويلة الأمد على أراضيهم، ويؤكدون أن غياب القدرة على الوصول إلى أراضيهم يجعل الوضع أكثر تعقيدًا.
مع دخول عناصر قانونية وإدارية مرتبطة بتجميد بعض معاملات نقل الملكية، يبقى العديد من الملفات الزراعية معلقًا من دون حل.
الفستق الحلبي: رمز الاقتصاد الزراعي
يُعتبر الفستق الحلبي أحد أهم المحاصيل في ريف حماة، ويعتمد عليه آلاف المزارعين كمصدر دخل رئيسي. وعندما تراجع الإنتاج بسبب الحرب، أصبحت مرحلة التعافي الحالية اختبارًا لقدرة المنطقة على استعادة استقرارها الاقتصادي.
يقول أحد العائدين: “لم نعد إلى أراضينا بصورة فعلية، فالمشكلة ليست في الأرض بل في من يملك القرار الآن”.
تحديات الملكية وحقوق المزارعين
تظهر بساتين الفستق كمرآة للتوتر بين إعادة تشغيل الاقتصاد الزراعي وإعادة تثبيت حقوق الملكية. يعتقد بعض المزارعين أن غياب إطار قانوني واضح للفصل في النزاعات يزيد من هشاشة الثقة بين المجتمع المحلي والجهات المشرفة على الأرض. برغم تمام الأمر، يُحذر المسؤولون المحليون من خطر الانتقال الفوري للملكية، مؤكدين أن ذلك قد يتسبب بخسائر فادحة في الإنتاج.
خاتمة: سؤال المستقبل
تظل قضية الفستق الحلبي في ريف حماة أكثر من مجرد محصول موسمي، بل هي نقطة التقاء لتحولات معقدة في العلاقات بين الناس والأرض بعد الحرب. بينما تغيب التسويات النهائية لملفات الملكية، يظل السؤال مطروحًا: كيف يمكن إعادة بناء اقتصاد زراعي مستقر من دون اتفاق واضح على حقوق الملكية وإدارة الأراضي؟
أسئلة شائعة
-
ما هو دور شركة “اكتفاء” في الأراضي الزراعية؟
تعمل شركة “اكتفاء” كجهة تنظيمية لإدارة الأراضي الزراعية، حيث تعقد عقودًا مع مزارعين محليين لضمان استمرار الإنتاج.
-
كيف أثر النزاع على إنتاج الفستق الحلبي؟
تأثر إنتاج الفستق الحلبي سلبًا خلال سنوات الحرب، مما جعل موسم التعافي الحالي اختبارًا لقدرة المنطقة على إعادة بناء اقتصادها الزراعي.
