تتأخر قرارات فصل الدعاوى المعروضة على المجمع القضائي بمدينة داريا لمدة طويلة قد تقارب ستة أشهر في أحيان كثيرة وعاماً كاملاً في بعض الحالات، وسط ضغوط هائلة تقع على كاهل القضاة الذين يضطرون لمراجعة عشرات الدعاوى في أوقات قياسية، بحسب حديث محامين ومراجعين لـ موقع تلفزيون سوريا، ولفتت المصادر إلى أن أقرب جلسة تمنحها المحكمة لأي قضية لا تقل عن شهرين منذ تسجيل الدعوى لدى المحكمة.
واشتكى المراجعون من التعقيدات الإدارية والبيروقراطية واهتمام المجمع القضائي بالشكليات، حيث يحتاج تسجيل الدعوى إلى إجراءات روتينية عديدة تتسبب بتأخير تسجيل الدعوى وما يترتب عليه بعد ذلك من خطوات وإجراءات لاحقة.
عائدة وهي سيدة من داريا قامت ببيع عقار بداية العام الحالي، لكنها لم تتمكن من نقل ملكية العقار بسبب تعثر إجراءات الكشف التي تعد شرطاً لتثبيت البيع، فضلاً عن حاجة عملية نقل الملكية إلى موافقة أمنية لا تزال قيد الدراسة حتى الآن، بحسب ما تؤكد عائدة خلال حديث لـ موقع تلفزيون سوريا.
أما حسام فيؤكد خلال حديث لـ موقع تلفزيون سوريا أن التعقيدات التي تتطلبها عملية الكشف على عقار يقوم باستثماره كبناء طابقي وسط المدينة أجلت المشروع أكثر من 6 أشهر حتى الآن، لافتاً إلى أن المحكمة لم تفصل بالدعوى التي قدمها ملاك العقار لتثبيت البيع وفق قرار حكم محكمة، عازياً ذلك إلى توقف إصدار القرارات بنسبة لا تقل عن 70% من قبل المحكمة وذلك بعد صدور بلاغات من وزارة العدل بهذا الخصوص.
بلاغ رسمي بتجميد فصل القضايا
بدوره، أكد المحامي جلال شعيب لـ موقع تلفزيون سوريا صحة تجميد قرارات الفصل وفق النسبة التي أوردها حسام، موضحاً أن هذه البلاغات صدرت إثر جولة تفتيشية للمجمع القضائي في داريا الذي يضم النيابة العامة ومحاكم مدنية وشرعية وجزائية، من قبل كوادر تابعة للتفتيش القضائي بإيقاف الفصل في القضايا، وسط ضغط هائل في قضايا مواطني المدينة التي شهدت عودة موسعة للأهالي المهجرين واللاجئين منذ سقوط النظام المخلوع.
ويتجاوز حجم الدعاوى الشهرية المقدمة للمجمع القضائي 300 دعوى، وفقاً للمحامي شعيب، في حين لم تفتح في المحكمة سوى غرفتين مدنيتين ما يجعل من حصة كل غرفة 150 دعوى كل شهر وهو رقم كبير جداً لا يمكن لقاضٍ واحد أن يضطلع به كون الغرفة تضم قاضياً واحداً وكاتباً.
وتحتاج داريا في زحمة القضايا الحقوقية التي تكتظ بها المحكمة إلى مجمع قضائي يضم محاكم عدة لا محكمة صلح واحدة، كما هو الحال الآن. وأشار شعيب إلى أن محكمة داريا تحتاج إلى أربع غرف قضائية تضم أربعة قضاة مع كتابهم.
موافقات أمنية وتعقيدات أخرى
ولا يتعلق تأخر قرارات الفصل ببلاغ وزارة العدل القاضي بتجميد القضايا، بل يتجاوز إلى وجود تعقيدات وإجراءات بيروقراطية تعرقل تثبيت الدعاوى وتكدسها على رفوف المجمع القضائي بداريا.
يشرح المحامي عمر حمود خلال حديث لـ موقع تلفزيون سوريا التعقيدات البيروقراطية التي تواجه رفع الدعاوى وتثبيتها والفصل فيها في المجمع القضائي بداريا، موضحاً أنها تبدأ من الموافقات الأمنية المفروضة على دعاوى تثبيت البيع، وصولاً إلى القيمة الرائجة التي تطلبها المحكمة لتسجيل الدعوى، والتعقيدات المصاحبة لموضوع الإيصالات المالية التي تشترط وجود مندوب من المالية بالمحكمة، وانتهاء بشرط الكشف على العقار موضوع الدعوى وهي عملية تتطلب شهرين على الأقل.
ويؤكد حمود أن داريا بحاجة ماسة لمحكمة ثالثة ورابعة؛ لأن ضغط الدعاوى كبير، وعطلة المحكمة في الصيف تصل إلى 3 أشهر عطل قضائية بدوام شهر واحد فقط ما عدا العطل الأسبوعية، ما يعني أن أيّ دعوى لن يتم فصلها إلا بعد انتهاء شهر أيلول/سبتمبر المقبل.
يلفت حمود أنه قبيل سقوط النظام كانت الدعوى الإقرارية لا تحتاج إلى أكثر من شهر لفصلها من المحكمة، في حين تحتاج هذه الدعوى في الوقت الراهن إلى أكثر من 5 أشهر قبل صدور قرار من المحكمة بها.
ويشير إلى أن هذه التعقيدات وتأخر تثبيت الدعوى ثم فصلها بقرار من المحكمة ينعكس سلباً على حقوق المواطنين، ويعرقل حركة بيع وشراء العقارات، ويكدس قرابة 6 آلاف دعوى في محكمة داريا، مؤكداً أن الموافقات الأمنية على دعاوى حكم المحكمة تعتبر إجراء جديداً، فسابقاً لم يكن هذا النوع من الدعاوى يتطلب هذه الموافقة ومن أجل ذلك كان المراجعون يلجؤون إلى حكم المحكمة.
وتتطلب الموافقة الأمنية إحالة المحامي العام إلى الأمن الداخلي حيث يؤكد حمود أن الموافقة تتعثر في هذه المرحلة في انتظار صدور قرار بالقبول أو الرفض.
معظم القضايا تتعلق بالملكيات العقارية
عزا المحاميان شعيب وحمود زحمة الدعاوى المعروضة على محكمة داريا إلى فقدان النسبة الأكبر من سجلات الكاتب بالعدل في أثناء فترة الحصار التي شهدتها المدينة بين عامي 2012 و2016.
ولفتت المحاميان إلى أن الحل الوحيد للتصرف بالملكيات العقارية التي فقدت سجلاتها هو عن طريق المحكمة أي الحصول على قرار نقل ملكية يعرف بـ حكم المحكمة. وحتى مع وجود التخاصص (صورة طبق الأصل عليها ختم أزرق) يبقى حكم المحكمة هو الحل الوحيد لأن سجل كاتب العدل مفقود وبالتالي لا يمكن للمالك التصرف بالعقار. وفي حال كان الشخص مالكاً بموجب وكالة، فسوف يحتاج أيضاً إلى رفع دعوى في المحكمة لعدم وجود السجل الأصلي.
وتسبب فقدان سجلات كاتب العدل بأزمة كبيرة جداً تخص حق التصرف بمئات العقارات لأن آلية تثبيت الملكية عبر وكالة كاتب العدل كانت الوسيلة الأساسية لسكان داريا.
وتصنف معظم القضايا المطروحة في محكمة داريا ضمن الخصومة القضائية الرضائية، أي أن طرفي القضية متفقان لكنهما بحاجة لتثبيت هذا الاتفاق في المحكمة، ورغم سهولة الفصل بهذه الدعاوى تقف التعقيدات والإجراءات البيروقراطية كعثرة أمام إتمام البت فيها.
ويشير المحاميان إلى أن تأخر الفصل في الدعاوى القضائية في محكمة داريا يعد نموذجاً لحالة الجمود القضائي في المحاكم السورية في الفترة التي تلت سقوط النظام وحتى الآن، رغم أن وزارة العدل السورية اتخذت خلال العام 2025 العديد من الإجراءات والقرارات لتعزيز العدالة، والتقدم خطوات في مجال إصلاح النظام القضائي، إلى جانب تفعيل دورها على الساحة الدولية.
