كيف
يخلق الدماغ البشري أشخاصاً من العشوائية؟
إعداد – الصباح
الجديد:
في لحظات الهدوء داخل المنازل، قد يحدّق البعض في
أرضية رخامية أو بقعة رطوبة على جدار قديم، ليتفاجأ بظهور ملامح وجه إنسان أو
هيئة شخص تبدو وكأنها تنظر إليه. وتتكرر هذه المشاهد لدى كثيرين؛ فهناك من يرى
وجوهاً في الغيوم، وآخرون يلمحون أشكالاً بشرية في الصخور أو جذوع الأشجار أو
تشققات الإسمنت.
وبينما يفسّر البعض هذه الظاهرة على أنها أمر
غامض أو خارق للطبيعة، يؤكد العلماء أنها نتيجة مباشرة لطريقة عمل الدماغ
البشري.
الدماغ يبحث دائماً عن الوجوه
تشير
دراسات علمية إلى أن الإنسان يمتلك نظامًا عصبيًا شديد الحساسية للتعرف على
الوجوه، حتى إن الدماغ يستطيع تمييز الملامح خلال أجزاء من الثانية.
ويرى
باحثون أن هذه القدرة تطورت عبر التاريخ البشري بسبب أهميتها في التواصل
الاجتماعي واكتشاف الأخطار والتعرف على الآخرين بسرعة.
دراسة
منشورة أكدت أن ظاهرة رؤية الوجوه في الأجسام الجامدة تُعد من أكثر الظواهر
الإدراكية انتشارًا لدى البشر، وأن الدماغ يميل إلى “المبالغة” في اكتشاف الوجوه
حتى عندما تكون الإشارات البصرية ناقصة أو عشوائية.
ماذا يحدث
داخل الدماغ؟
في مختبرات علوم الأعصاب، استخدم الباحثون
تقنيات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي لمراقبة نشاط الدماغ أثناء مشاهدة
الوجوه الحقيقية والوجوه الوهمية.
وأظهرت النتائج أن منطقة
معروفة تنشط عند رؤية الوجوه الحقيقية وكذلك عند رؤية أشكال عشوائية تشبه
الوجوه.
ويرى العلماء أن الدماغ يفضّل أحيانًا “رؤية وجه غير
موجود” بدل تجاهل احتمال وجود وجه حقيقي، وهي آلية تطورية مرتبطة بالحذر
والانتباه الاجتماعي.
لماذا تظهر الوجوه في الرخام
والأرضيات؟
يقول مختصون: إن الرخام والخشب والسيراميك من أكثر
المواد التي تثير هذه الظاهرة بسبب احتوائها على خطوط متشابكة وبقع غير منتظمة
وتدرجات لونية وتشققات طبيعية، وعندما تتجمع هذه العناصر بطريقة معينة، يبدأ
الدماغ تلقائيًا بتحويلها إلى ملامح بشرية مثل العينين والفم
والأنف.
ويؤكد الباحثون أن الإنسان لا يرى “الأرضية كما هي”،
بل يرى تفسير الدماغ لها.
ظاهرة قديمة عبر
التاريخ
رؤية الوجوه في الأشياء ليست ظاهرة حديثة. ففي
الحضارات القديمة، اعتقد كثيرون أنهم يشاهدون وجوه الآلهة أو الأرواح في الجبال
والأشجار والصخور.
وفي العصر الحديث، انتشرت صور كثيرة يدّعي
أصحابها ظهور وجوه دينية على الجدران أو الخبز أو الزجاج، ما أثار اهتمام وسائل
الإعلام والرأي العام.
إلا أن علماء النفس يؤكدون أن هذه
المشاهد تعود إلى ميل طبيعي لدى الدماغ للبحث عن الأنماط المألوفة داخل الفوضى
البصرية.
حتى الحيوانات ترى
“وجوهًا”
المثير للاهتمام أن هذه الظاهرة لا تقتصر على البشر
فقط،
فقد أظهرت دراسة منشورة أن قرود الريسوس تستطيع أيضًا
التفاعل مع الأشكال التي تشبه الوجوه، ما يشير إلى أن هذه القدرة متجذرة في تطور
الرئيسيات منذ ملايين السنين.
هل تدل الظاهرة على مرض
نفسي؟
الأطباء النفسيون يؤكدون أن رؤية الوجوه في الأرضيات أو
الجدران تُعد أمرًا طبيعيًا جدًا، ولا ترتبط عادة بأي اضطراب
نفسي.
فالإنسان الطبيعي يدرك في النهاية أن ما يراه مجرد
تشابه بصري، بينما تختلف الاضطرابات الإدراكية عن ذلك بفقدان القدرة على التمييز
بين الواقع والخيال.
ولهذا يصف العلماء الظاهرة بأنها “خدعة
بصرية طبيعية” تنتج عن آلية عمل الدماغ.
بين العلم
والفن
استغل الفنانون والمصممون هذه الظاهرة في مجالات
متعددة، إذ تُستخدم الملامح الشبيهة بالوجوه في تصميم الشعارات والمباني
والسيارات لجذب الانتباه وإثارة الشعور بالألفة.
ويؤكد مختصون
أن الإنسان يتفاعل عاطفيًا مع أي شكل يحمل ملامح وجه، حتى لو كان مجرد
جماد.
تفسير
تكشف ظاهرة رؤية الوجوه على
الأرضيات والجدران جانبًا مهمًا من طبيعة العقل البشري؛ فالدماغ لا يكتفي
باستقبال الصور، بل يعيد تفسيرها باستمرار بحثًا عن معنى وأنماط مألوفة.
ولهذا،
عندما يرى الإنسان وجهًا في أرضية المنزل أو على جدار قديم، فهو في الحقيقة
يشاهد واحدة من أكثر قدرات الدماغ تعقيدًا وإدهاشًا: تحويل العشوائية إلى صورة
إنسانية مفهومة.
