قمنا في وكالة تسنيم بتوثيق حكاية نكبةٍ لا تنتهي، من أصوات الناجين وذاكرة المخيمات التي تحولت من ملاذٍ مؤقت إلى ركامٍ مقصود، رافقنا وجوهًا أنهكها التهجير وملامح لا تزال تحمل مفاتيح البيوت الأولى، لنروي من خلال شهاداتهم قصة جرحٍ فلسطيني مستمر منذ عام 1948 وحتى اليوم… فيلمنا هذا ليس مجرد رصدٍ للحدث، بل هو شهادة حية على أن الذاكرة لا تُمحى، وأن الحق لا يسقط بالتقادم.
نكبة لا تنتهي..في المخيم الذي وُلد صدفةً وصار وطناً ثم ركامٍ مقصود، التقينا من لا تزال الذاكرة تسكن بملامحه الحاج فخري العارضة ” ابوالعبد” 87 عاماً، بعكازه وملامحه المتجعدة يروي رحلة تهجيره منذ نكبة 1948 ونكسة 1967، وها هو يُقتلع اليوم مرة أخرى من المخيم الذي لجأ إليه أول مرة.
يقول الحاج فخري العارضة لوكالة تسنيم: “انا كنت وانا صغير اذهب الى البحر واصطاد واعطي السمك الى امي تحت الشجر لكي تطهو السمك لي، لا يوجد اجمل من ذلك … اما الان الحال تغيرت انا مهجر لدى ابنتي في جهة من المخيم وانظر الى منزلي الذي هجرت اليه من النافذةولا استطيع عمل اي شيء”.

يضيف الحاج عارضة لتسنيم: ” الذي عشته انا ٨٢ عام لم اعشهمن قبل، في ١٩٤٨ قد فررنا في القطار وفي ١٩٦٧ فررنا على الجبال وحصلالحديد من الحروب والانتفاضات والان في ٢٠٢٥ هجرونا وهدمو منازلنا ومحالنا وشوارعنا ولم يتبقى لدينا شيء، فاين سنذهب؟ واين نعيش؟ ها نحن في الطرق والشوارع”.


لم تنتهي الحكاية عند ابي العبد فالمشاهد تتكرر فالاحتلال ينسخ نفس المشهد بحذافيره.. بيوت تُهدم، مخيمات تُقصَف، وأسر تنزح قسرا
ليقفون على تلة ويراقبوا عن كثب منازلهم وهي تهدم امام اعينهم في مخيم نور شمس في طولكرم.


تقول النازحة أ. اية جندي لوكالة تسنيم:”نكبة اخرى بتفاصيل اخرى ومعاناة تختلف عن المعاناة الاولى عدى عن تغيير معالم تاريخية ومعمارية لمخيم نور شمس بشكل كلي وهذا كله بناء على خطة الجيش الاسرائيلي ووضع اشارات حمراء على كل بيت وكل شارع”.

وتضيف جندي لتسنيم:” انا انظر الى بيوت المخيم كل بيت هو يعتبر بيتي فانا عشت في كل بيت بالمخيم وترعرعت فيه ، هذا المشهد الدمار والخرابوالموجع واللذي يقهر كل انسان ، ان اطفال اليوم سيشهدون نكبة جديدة بتدمير بيوتهم بتدمير ممتلكاتهم وتدمير احلامهم وذكريات كل شخص في البيت”.

المشهد ذاته: حيث هجّر الاحتلال ما يقارب 957 ألف فلسطيني من أصل مليون وأربعمئة ألف كانوا يسكنون 1300 بلدة وقرية، وها هو العدوان الإسرائيلي يتواصل على غزة وشمال الضفة، ليكتب فصلاً آخر من نكبة مستمرة.

يتحدث مدير الادارة العامة للمخيمات في منظمة التحرير الفلسطينية محمد عليان لوكالة تسنيم:” عندما نتحدث عن نكبة شعبنا عام ١٩٤٨ نتحدث عن هجرة قصرية التي عان منها قرابة التسعة مئة ألف مواطن فلسطيني واللذين هجروا الى اصقاع العالم والى المخيمات والشتات، فهذه الهجرة الاولى نسميها النكبة عام ١٩٤٨، فهي مستمرة بكل الامها وجراحها”.

يضيف عليان لتسنيم:” ان منشه الان من عدوان على غزة اكثر من اثنين وخمسين ألف شهيد، وايضا ما نشهده في مخيمات الضفة الغربية خاصة في الشمال وما يحدث من هدم وقتل واعتقال كل هذا يعد شاهد من شواهد النكبة عام ٤٨ فهم يريدو محو المخيم وان يطمسوا الذاكرة الفلسينية”.

على مرّ العقود، ظلّت ذاكرة التهجير تسكن وجدان الفلسطينيين، حاضرة في المسيرات الشعبية والرموز التي تتوارثها الأجيال.. بين الحشود، يبرز الحاج خيري حنون من طولكرم بزيّه التراثي، ممسكًا بمفتاح حديدي ورثه عن آبائه، يلمع بالأمل أكثر من المعدن نفسه، كعهدٍ صامت بأن الطريق إلى الديار لا يُغلق مهما طال الغياب.

يأكد الحاج خيري حنون لوكالة تسنيم: “لقد خرج آبائنا واجدادنا من الأرض بهذا اللباس وبهذا العتاد وبهذا نحن نريد ان نعود الى أرضنا، عاهدنا الآباء والأجداد ان نعود على أرضنا كما خرجوا بزيهم ومفتاح بيوتهم وبكل مقتنياتهم فهذه رسالتنا، نحن لن نتخلى عن الأرض والحق وعهد آبائنا”.

خاتمة:
هكذا، تتوالى النكبات وكأنها فصلٌ أبدي من تاريخٍ لم ينصفه أحد. لكن رغم الركام، ما زال الفلسطيني يلوّح بمفتاحه، يروي ذاكرته، ويُقسم أنه سيعود…


اعداد: لما ابو حلو …
/إنتهي/
