ارتفع إجمالي الأصول الأجنبية لدى الجهاز المصرفي الإماراتي إلى 2.172 تريليون درهم، بنمو نسبته 8.22%، وبزيادة قدرها 165 مليار درهم خلال الربع الأول من العام 2026، مقارنة مع رصيدها في نهاية العام 2025، البالغ 2.007 تريليون درهم.
وتواصل دولة الإمارات العربية المتحدة من خلال هذا الإنجاز المالي، ترسيخ مكانتها كمركز مالي عالمي رائد وملاذ آمن جاذب للتدفقات النقدية والاستثمارية.
ويتجلى هذا بوضوح في الأداء الاستثنائي للقطاع المصرفي، الذي نجح في تسجيل قفزة قياسية جديدة تعكس متانة الأسس الهيكلية للاقتصاد الوطني، وقدرته الفائقة على النمو والازدهار المستدام بالرغم من كل التحديات والتقلبات الاقتصادية والجيوسياسية، التي تشهدها الأسواق العالمية والمشهد المالي الدولي.
الفوائض النقدية
ويشير الخبير الاقتصادي رامي خريسات، في تحليله لهذا المشهد، إلى أن الصعود المتواصل والمطرد للأصول الأجنبية، يمثل شهادة قوية على الكفاءة التشغيلية والمالية العالية التي تتمتع بها البنوك الإماراتية في إدارة السيولة الفائضة.
ويفسر خريسات، في تصريح خاص لـ “24”، الارتفاع المتلاحق بأنه دلالة مباشرة على تنامي الفوائض المالية والسيولة النقدية الضخمة المتدفقة إلى داخل الدولة، الناتجة بشكل رئيسي عن الأداء القوي للقطاعات الاقتصادية غير النفطية، مثل التجارة الخارجية، والسياحة، والخدمات اللوجستية، والقطاع العقاري المتسارع في ازدهاره وعوائده الاستثمارية.
وقال: “مع استقطاب الأسواق الإماراتية لرؤوس الأموال الأجنبية الباحثة عن بيئة استثمارية مستقرة وقوانين مرنة، تجد المصارف الوطنية والأجنبية العاملة في الدولة نفسها أمام تدفقات نقدية واسعة، تدفعها بدورها إلى توزيع استثماراتها بذكاء في الأسواق الدولية”.
خارطة توزيع الاستثمارات الخارجية
وتظهر بيانات الخارطة الجغرافية لتوزيع هذه الثروة المالية الكلية، الدور القيادي لبنوك أبوظبي ودبي في قيادة الزخم الاقتصادي.
وبحسب البيانات الإحصائية التفصيلية، فإن بنوك أبوظبي، وبفضل قاعدتها الرأسمالية الضخمة وارتباطها الوثيق بالتدفقات السيادية الكبرى ومبيعات الطاقة، تستأثر بحصة الأسد من هذه الأصول والاستثمارات الأجنبية، مدعومة بتحركات استراتيجية لمؤسسات عملاقة مثل “بنك أبوظبي الأول”.
وفي المقابل، تظهر بنوك دبي، بقيادة “بنك الإمارات دبي الوطني”، وتيرة نمو متسارعة للغاية في أصولها الخارجية، مستفيدة من مكانة دبي كمركز رئيسي للتجارة الدولية والتدفقات السياحية والاستثمارات العقارية العابرة للحدود، ما يخلق حالة من التكامل الاستراتيجي الفريد بين القوتين المصرفيتين لتعزيز التنافسية العالمية للمصارف الإماراتية.
تعزيز الجدارة الائتمانية للمصارف
ويرى الخبير المصرفي بدر سرحان، أن القفزة الكبيرة في الأصول الخارجية تحمل أبعاداً ودلالات إيجابية بالغة الأهمية، على مستوى الاستقرار الهيكلي للقطاع المصرفي في الإمارات.
ويؤكد في تصريح لـ”24″، أن تراكم هذه الأصول المليارية في الخارج يدعم الملاءة المالية للبنوك، ويرفع من جودة ميزانياتها العمومية، ويمنحها كفاءة استثنائية في إدارة المخاطر المالية والائتمانية.
وأضاف أن “هذا التنوع الاستثماري الجغرافي بين السندات السيادية الأجنبية، والودائع لدى البنوك العالمية والمراسلين الدوليين، يساهم في حماية القطاع من أي تقلبات موضعية محتملة، ويضمن استدامة التدفقات الربحية عبر اقتناص الفرص الاستثمارية وعوائد الفائدة المرتفعة في الأسواق العالمية، مما ينعكس إيجاباً على تقييمات الجدارة الائتمانية للبنوك الوطنية من قبل وكالات التصنيف الدولية”.
حماية الاقتصاد
وأما على صعيد الاقتصاد الكلي لدولة الإمارات، فيوضح الخبير المصرفي سرحان، أن تريليونات الأصول الأجنبية المصرفية تلعب دوراً محورياً كحائط صد استراتيجي ومصدات أمان نقدية فائقة القوة، تحمي الاقتصاد المحلي من الأزمات والصدمات المالية العالمية.
وأشار إلى أن هذه الأصول الضخمة تدعم بشكل مباشر استقرار العملة الوطنية، الدرهم الإماراتي، المرتبط بالدولار الأمريكي، من خلال توفير غطاء نقدي واحتياطيات سيادية وشبه سيادية هائلة تعزز الثقة الدولية في السياسة النقدية للدولة، وجاذبيتها للاستثمار الأجنبي المباشر.
وخلص الخبير المصرفي سرحان، إلى أن تمتع القطاع المصرفي بهذا الحجم الهائل من السيولة المرنة، يتيح له مواصلة القيام بتأدية دوره الرئيسي في تمويل المشاريع التنموية الكبرى والبنية التحتية المتطورة داخل الإمارات، وتوفير الائتمان اللازم للقطاع الخاص والشركات الصغيرة والمتوسطة، دون مواجهة أي اختناقات في السيولة المحلية.
استدامة النموذج الاقتصادي
وفي ضوء المعطيات السابقة، فإن انتقال إجمالي الأصول الأجنبية في غضون 3 أشهر من عتبة تريليونين و7 مليارات درهم، ليتجاوز تريليونين و172 مليار درهم، يؤكد بشكل قاطع أن النموذج الاقتصادي الذي تتبعه دولة الإمارات القائم على الانفتاح المالي، وتطوير الشراكات الاقتصادية الشاملة، والتحول الرقمي الصارم في الخدمات والتحويلات المصرفية، يسير في الاتجاه الصحيح وبخطى ثابتة.
كما تبرهن هذه الأرقام على أن الدولة لا تكتفي بكونها حاضنة للاستثمارات الإقليمية، بل تحولت إلى لاعب رئيسي ومستثمر استراتيجي في الساحة المالية الدولية، عبر ذراعها المصرفي القوي.
وفي الحصيلة النهائية، فإن هذه النتائج المتميزة تعزز الثقة المطلقة للمستثمرين ورجال الأعمال حول العالم في مستقبل الاقتصاد الإماراتي، وتؤكد ريادته ومكانته الراسخة كوجهة مفضلة للمال والأعمال، ومثال يحتذى به في التخطيط الاقتصادي طويل الأمد.




