على مدار أكثر من عقد، استقبل لبنان أكبر عدد من اللاجئين قياساً بعدد سكانه، ما ساهم في بناء اقتصاد موازٍ اعتمد بشكل رئيسي على هؤلاء اللاجئين، وفقاً لمنظمة العمل الدولية.
ومؤخراً، شهدت البلاد عودة الآلاف من اللاجئين السوريين، حيث وفرت لهم الأمم المتحدة حافلات لنقلهم إلى بلادهم. هذا التحرك قد يؤثر سلباً على القطاعات التي اعتمدت لفترة طويلة على العمالة غير الرسمية.
عقب سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024، قدرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن نحو 700 ألف سوري وسورية عادوا من الدول المجاورة، حيث كانت لبنان نقطة مغادرة رئيسية. وتقرير صادر عن المفوضية في أيار 2026 يفيد بأن 634,749 لاجئاً سورياً مسجلاً في لبنان قد عادوا منذ كانون الثاني 2025.
تم إطلاق برنامج منظم للعودة الطوعية في تموز 2025 بدعم من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة، حيث نُقلت قوافل اللاجئين وممتلكاتهم من سهل البقاع عبر معبر المصنع إلى وجهات تشمل دمشق وحلب وحمص.
وأعلن وزير الشؤون الاجتماعية اللبناني أن الهدف هو إعادة 500 ألف سوري بحلول نهاية عام 2025، بينما ألغت السلطات رسوم المغادرة وأوقفت غرامات تجاوز مدة الإقامة حتى يونيو 2026، في محاولة لتشجيع السوريين على العودة.
تحديات عودة اللاجئين وتأثيرهم على الاقتصاد اللبناني
مع بدء عملية العودة، أصبح السؤال الرئيسي هو: ماذا سيحدث للاقتصاد اللبناني بعد مغادرة هؤلاء اللاجئين؟ فقد اعتاد السوريون على شغل وظائف رئيسية في مجالات الزراعة والبناء والتصنيع والخدمات منخفضة التكلفة، وهذا الأمر أدى إلى قلق كبير لدى المسؤولين وخبراء الاقتصاد حول تأثير غيابهم.
تشير التقديرات إلى أن 85% من القوى العاملة في الزراعة في لبنان تتكون من عمال سوريين. ومع ذلك، تظل الأرقام غير موثقة رسمياً بسبب نقص السياسات الداعمة.
نزار هاني، وزير الزراعة، ذكر أن هناك نقاشات مع وزارة العمل حول تسجيل العمال السوريين في القطاع الزراعي؛ وهذا قد يوفر معلومات شاملة حول هذه القوى العاملة.
العمال السوريون ودورهم في السوق اللبنانية
يعتبر العمال السوريون حجر الزاوية في الاقتصاد اللبناني، حيث يساهمون بما يتراوح بين 3% و6% من الناتج المحلي الإجمالي، خاصة في القطاعات غير الرسمية. وغالباً ما يكون هؤلاء العمال عرضة لظروف عمل سيئة وأجور منخفضة.
التقارير تشير إلى أن العمالة السورية غير مسجلة وموسمية، وهو ما يستدعي ضرورة وجود نظام فعّال لرصد العمالة في لبنان، خاصة مع غياب البيانات الموثوقة.
إلى أي مدى تعتبر عودة السوريين طوعية؟
توضح المفوضية السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR) أن العديد من اللاجئين يغادرون لبن بسبب انعدام البدائل في ظل الوضع الهش. حسب ليزا أبو خالد، المتحدثة باسم المفوضية، إن عدد كبير من اللاجئين يغادرون بحثاً عن الأمان.
أوضحت تجارب عديدة أن ظروف العمل الهشة تدفع العمال السوريين لقبول أجور منخفضة، مما يجعل مسألة العودة غير طوعية بالمعنى الدقيق. الدكتورة ياسمين ليليان دياب، مديرة معهد دراسات الهجرة، تشير إلى أن “العودة ليست بالضرورة نتيجة تحسن الأوضاع في سوريا، بل نتيجة سوء الوضع في لبنان.”
أثر العودة على السياسة الاقتصادية اللبنانية
يواجه لبنان تحديات كبيرة في إدماج العمالة السورية بشكل رسمي. وعدم تسجيل العمالة السورية في سجلات الحكومة يظهر سياسة إنكار قائمة على المساهمة الاقتصادية التي يقدمها هؤلاء العمال. دياب تعتبر أن الحل يكمن في سياسة واقعية تعترف بوجود هؤلاء العمال وتوفر لهم وصولاً سهلاً إلى تصاريح العمل.
ومع رحيل عدد كبير من السوريين، يواجه لبنان مفارقة؛ حيث لا يمكن تقدير الأثر الحقيقي لغياب هؤلاء عن الاقتصاد، خصوصاً وأن معظمهم ظلوا غير موثقين بشكل رسمي في سوق العمل.
أسئلة شائعة (FAQ)
ما هو تأثير عودة السوريين على الاقتصاد اللبناني؟
تساهم عودة السوريين في تقليص العمالة غير الرسمية في قطاعات مثل الزراعة والبناء، مما قد يؤدي إلى نقص في القوى العاملة ويؤثر سلباً على النمو الاقتصادي.
هل يمكن اعتبار العودة لطوعية؟
يعتبر كثير من الخبراء أن العودة تتم تحت ضغط الظروف الاقتصادية في لبنان أكثر من كونها خياراً طوعياً.
ما هي الخطوات المطلوبة لدعم السوريين في لبنان؟
تتطلب الحاجة إلى تطوير سياسات توفر تصاريح عمل مناسبة وتسجيل العمالة، ما يساهم في تحسين ظروف العمل وحصولهم على حقوقهم.
بعد أكثر من عقد من تأزم الوضع، يبقى لبنان أمام تحدي كبير، إذ يجب عليه إعادة تقييم سياسته تجاه العمالة السورية سواءً لإدماجهم أو التعامل مع أعداد العائدين بشكل فعّال.
