بعد ثلاث سنوات ونيف من تقديم الرعاية الصحية الأولية للأهالي بدارة عزة شمال غربي سوريا، أنهت منظمة أطباء بلا حدود عملها في مركز الرعاية الصحية بتلك المدينة في آذار 2026.
بدأت المنظمة بدعم هذا المركز الصحي المقام في ريف حلب الغربي خلال شهر كانون الأول عام 2022، ومنذ ذلك الحين، سعت لتعزيز قدرات المركز على توفير الرعاية.
يعكس هذا التحول مساعي منظمة أطباء بلا حدود للتركيز على مناطق باتت بأمس الحاجة للرعاية الطبية الطارئة، وذلك بما يتماشى مع أولويات المنظمة الطبية والإنسانية. ولذلك تعمل المنظمة على مراقبة الفجوات في مجال الرعاية الصحية في شمال غربي سوريا، وستبقى على استعداد لتقديم الاستجابة عند الحاجة بحسب البيان الصادر عنها.
توسيع مدى الحصول على الرعاية اللازمة
خلال فترة الدعم، أسهمت منظمة أطباء بلا حدود في تعزيز حضور خدمات الرعاية الصحية العامة في المركز وجودتها، وشملت الرعاية الطبية الاستشارات الطبية العامة، وخدمات الصحة المقدمة للأطفال والأمهات، والرعاية الصحية الإنجابية، والرعاية الطبية الطارئة، والفحوصات المخبرية، والأدوية اللازمة. ومن خلال أنشطة التوعية والعيادات المتنقلة، عمل فريق المنظمة بالتعاون مع فرق مديرية الصحة بحلب على الوصول إلى الناس في القرى المحيطة وفي تجمعات النازحين.
وخلال الفترة ما بين 2022 و2026، قدمت منظمة أطباء بلا حدود نحو 170215 استشارة طبية عبر العيادات الخارجية، و18950 استشارة طبية للأمهات والأطفال، و7660 جلسة للصحة العقلية مخصصة للأفراد أو للمجموعات.
وعن ذلك يقول عمار مستو، مدير المركز الصحي بدارة عزة: “قدمت منظمة أطباء بلا حدود الدعم لهذا المركز طوال السنوات الثلاث الماضية، وخلال تلك السنوات ساعدنا أكثر من 180 ألف مريض ومريضة. غير أن المنظمة أبلغتنا بأنها ستنهي خدماتها في المركز، فتعاونا مع مديرية الصحة بحلب بهدف مواصلة الدعم ولضمان استمرار تقديم الرعاية للناس في المنطقة”.
تقديم الرعاية في بيئة مليئة بالتحديات
قدمت منظمة أطباء بلا حدود دعمها في بيئة عاشت حرباً ونزوحاً على مدار سنين طويلة، تضررت خلالها مدينة دارة عزة وما حولها بسبب انعدام الأمن، وخاصة بسبب القصف المدفعي والغارات الجوية. وعلى الرغم من تلك التحديات، بقي المركز مفتوحاً وقادراً على استقبال المرضى وتقديم الرعاية الصحية للناس.
عملت فرق منظمة أطباء بلا حدود بشكل وثيق مع الفريق الطبي المحلي وذلك للعمل على استمرار تقديم الخدمات في تلك البيئة التي شهدت تقلبات كبيرة، إلى جانب ترسيخ عملية الوقاية من العدوى وإجراءات المراقبة والضبط، وخاصة خلال فترة تفشي جائحة كوفيد-19. وفي الوقت ذاته، نفذت أنشطة خاصة بتوفير المياه والصرف الصحي وغيرها من أنشطة النظافة الشخصية في مخيمات النزوح وغيرها من المساكن غير الرسمية وذلك لتخفيف المخاطر التي تهدد الصحة العامة.
وإلى جانب تقديم الرعاية الصحية، دعمت فرق منظمة أطباء بلا حدود الفرق الطبية المحلية من خلال التدريب والإشراف، وتقديم المستلزمات والمعدات الطبية، وتحفيز الكوادر، والإسهام في استمرار تقديم الرعاية في المركز وجودتها واستمراريتها على المدى الطويل.
الاحتياجات المستمرة في شمال غربي سوريا
يواجه السكان في شمال غربي سوريا تحديات جسيمة في مجال الرعاية الصحية، بما أن معظم المجتمعات تعاني في تأمين الخدمات الأساسية، وقد تفاقمت الأمور بالنسبة للاحتياجات الصحية الجسدية والعقلية بسبب سنوات النزاع الطويلة والنزوح والضائقة الاقتصادية.
يمثل دعم الصحة العقلية عنصراً أساسياً من عناصر عمل منظمة أطباء بلا حدود في المركز الصحي بدارة عزة، بما أن هذا الدعم موجه لمعالجة الأثر النفسي المترتب على شعور الإنسان بانعدام الاستقرار لفترة طويلة.
يعلق على ذلك أيهم الخطاب وهو أحد أطباء منظمة أطباء بلا حدود المتخصص في تقديم خدمات الصحة العقلية، فيقول: “من التحديات التي لاحظناها في هذه المنطقة مشكلة الوصمة كما هي الحال في كثير من المناطق الأخرى، ولهذا عملنا على رفع الوعي وتثقيف الناس من خلال جلسات فردية وجماعية”.
وأضاف: “مع تسليم المنظمة للخدمات إلى وزارة الصحة، قدم الفريق إمدادات من الأدوية للمركز تكفي لمدة ثلاثة أشهر، وذلك لضمان توفر العلاج بصورة مستمرة خلال الفترة المقبلة”.
تطلعات مستقبلية
مع اختتام منظمة أطباء بلا حدود لدعمها المباشر الموجه للمركز الصحي بدارة عزة، تواصل فرق المنظمة الاستجابة للاحتياجات الطبية الطارئة في عموم سوريا، أي أن المنظمة ستبقى حاضرة في المنطقة، مع تكييف أنشطتها بحيث تصل للناس الذين من الصعب عليهم الحصول على رعاية صحية.
وعن ذلك يقول أولريخ كريبين نامفيبونا المدير الإقليمي لمنظمة أطباء بلا حدود في سوريا: “نقدر ونثمن كثيراً تفاني العاملين في مجال الصحة بوزارة الصحة ومديرية الصحة الذين كانوا حجر الزاوية في هذا التعاون، فلقد كانت تلك الجهود المتواصلة على مدى السنوات الثلاث الماضية مفيدة لضمان حصول الآلاف من الناس على الرعاية التي يحتاجونها. ولدعم استمرارية الخدمات، قدمنا أيضاً تبرعات طبية تغطي فترة ثلاثة أشهر”.
يذكر أن مدينة دارة عزة تضم عدة مراكز طبية ومشاف تقدم خدماتها للسكان ومن أبرزها مشفى الكنانة التي يقدم خدمات طبية متنوعة ويشتمل على قسم للأشعة، سبق وأن تعرض للقصف خلال الحرب لكنه عاد للعمل، ومشفى الفردوس التابع لمنظمة سوريا للإغاثة والتنمية والمتخصص في الولادات والأمراض النسائية وأمراض الأطفال وعلاج سوء التغذية، وفيه قسم للعناية المركزة، وقد تعرض هذا المشفى أيضاً للاستهداف خلال الحرب، ومركز الأمل التخصصي التابع لمنظمة سامز ويختص بعلاج الحالات الصعبة مثل كوفيد-19 ويضم مركزاً لغسل الكلى، ومركز لقاح دارة عزة المتخصص بتقديم خدمات اللقاحات والرعاية الصحية الأولية.
ورغم انتهاء الدعم المباشر الذي قدمته منظمة أطباء بلا حدود لمركز دارة عزة الصحي، فإن التحديات الطبية والإنسانية في شمال غربي سوريا ما تزال قائمة، في ظل هشاشة القطاع الصحي واستمرار معاناة السكان من آثار الحرب والنزوح والفقر. وفي حين تنتقل مسؤولية إدارة الخدمات إلى الجهات الصحية المحلية، يبقى ضمان استمرارية الرعاية وجودتها رهناً بقدرة المؤسسات الطبية والمنظمات الإنسانية على سد الفجوات المتزايدة في الاحتياجات، ولا سيما في مجالات الصحة النفسية ورعاية الأمومة والطوارئ. وفي منطقة أنهكتها سنوات الصراع، تبدو المحافظة على الحد الأدنى من الخدمات الصحية إنجازاً بحد ذاته، ورسالة بأن الرعاية الطبية ما تزال تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة الأزمات المستمرة.
المصدر: Medicins Sans Frontiers
