في سوريا، لا يُطرح سؤال العدالة بوصفه فكرةً سياسيةً أو ترفًا فكريًا، بل كحاجةٍ يوميةٍ يعيشها الناس بصمت. في بيتٍ ما، ما زالت صورة معتقلٍ مفقود معلّقةً على الجدار؛ لا أحد يعرف إن كان حيًا أم ميتًا، لكن لا أحد يجرؤ على إنزالها. وفي بيتٍ آخر، ذاكرة قصفٍ عشوائي لم تغادر الأطفال الذين كبروا قبل أوانهم. وفي مكانٍ ثالث، خوفٌ قديم لم يتحوّل بعد إلى كلمات، لكنه ما زال يحدّد نظرة الناس بعضهم إلى بعض.
من هذه التفاصيل الصغيرة، يتشكّل السؤال الكبير: هل نريد العدالة أم نريد أن ننسى؟ ورغم بساطة السؤال، فإنه يخفي خلفه تعقيدًا عميقًا، لأن السوريين لا يختلفون فقط على الإجابة، بل على معنى العدالة نفسها، وعلى ما الذي يجب أن يُسمّى عدلًا أصلًا.
يبرز النسيان كخيار يبدو أقل صدامًا، وربما أكثر إغراءً لمن أنهكهم الألم. فكرة أن نطوي الصفحة ونبدأ من جديد تبدو، للوهلة الأولى، مخرجًا بسيطًا. لكن سرعان ما يتبيّن أن هذا المخرج هشّ؛ لأن السؤال الذي يتجاهله يبقى قائمًا: كيف يمكن أن ينسى من لم يُعترف بألمه أصلًا؟ وكيف يمكن أن تُبنى ثقةٌ جديدة فوق جراحٍ لم تُسمَّ بعد؟
هذا الاختلاف لا يأتي من فراغ، بل من طبيعة ما جرى؛ فخلال سنوات الصراع، لم تكن موازين القوة متكافئة. كانت هناك سلطة تمتلك الدولة بكامل أجهزتها الأمنية والعسكرية، واستخدمت هذا التفوق لإنتاج نمطٍ من العنف يتجاوز فكرة الانتهاكات الفردية. ما كُشف عنه في ملف الاعتقال، وما تراكم من شهادات حول التعذيب الممنهج داخل مؤسسات رسمية، يشيران إلى بنيةٍ متكاملة من العنف، لا إلى حوادث معزولة. ومن هنا، يصبح الاعتراف بهذا الفارق ليس انحيازًا سياسيًا، بل ضرورةً أخلاقية؛ لأن العدالة التي تساوي بين ما لا يتساوى تفقد معناها قبل أن تبدأ.
ومع ذلك، لا يمكن قراءة المشهد وكأنه خطّ واحد. فقد شهدت البلاد، في مراحل مختلفة، انتهاكاتٍ من أطراف متعددة، طالت مدنيين وأسهمت في تعميق الخوف وتفكيك الثقة. وهكذا، لم يعد الألم قصةً واحدة يمكن سردها بسهولة، بل تحوّل إلى قصصٍ متوازية، تتقاطع أحيانًا وتتناقض أحيانًا أخرى.
لكن المشكلة لا تكمن فقط في تعدد هذه القصص، بل في الطريقة التي تُروى بها. فعندما تتحول كل رواية إلى حقيقةٍ مكتملة بذاتها، يصبح الاعتراف بمعاناة الآخر أشبه بالتنازل، لا خطوةً نحو الفهم. وعند هذه النقطة، تنزلق العدالة من كونها بحثًا عن إنصاف، إلى كونها أداةً لتثبيت سردية واحدة وإقصاء ما سواها.
من هنا، يظهر خطرٌ آخر لا يقل تعقيدًا: أن تتحول العدالة نفسها إلى امتدادٍ للصراع. ليس لأن الناس لا يريدون العدالة، بل لأنهم لم يعودوا يثقون بشكلها، أو يخشون أن تُستخدم ضدهم. وفي هذا الشكل، تفقد العدالة قدرتها على الجمع، وتتحول إلى عامل انقسامٍ جديد.
وفي المقابل، يبرز النسيان كخيار يبدو أقل صدامًا، وربما أكثر إغراءً لمن أنهكهم الألم. فكرة أن نطوي الصفحة ونبدأ من جديد تبدو، للوهلة الأولى، مخرجًا بسيطًا. لكن سرعان ما يتبيّن أن هذا المخرج هشّ؛ لأن السؤال الذي يتجاهله يبقى قائمًا: كيف يمكن أن ينسى من لم يُعترف بألمه أصلًا؟ وكيف يمكن أن تُبنى ثقةٌ جديدة فوق جراحٍ لم تُسمَّ بعد؟
بهذا المعنى، لا يكون النسيان حلًا، بل تأجيلًا. فهو لا يُنهي الصراع، بل يدفعه إلى تحت السطح، حيث يبقى حيًا، قابلًا للعودة في أي لحظة، وغالبًا بشكلٍ أكثر حدّة.
قد لا تكون هذه العدالة كاملة، وقد لا تتحقق بسرعة، لكنها تظل أقل كلفةً من بديلها. لأن غياب العدالة، أو استبدالها بتسويات قائمة على التغاضي، لا ينتج سلامًا حقيقيًا، بل هدنةً هشّة.
أمام هذا التعقيد، لا يكفي الاختيار بين العدالة والنسيان بوصفهما خيارين متقابلين. فالتجارب التي مرّت بها مجتمعات أخرى تُظهر أن الطريق، رغم صعوبته، يمرّ عبر شيءٍ ثالث: الحقيقة. ليس كحكايةٍ واحدةٍ مكتملة، بل كمسارٍ طويل من الكشف والاعتراف، حيث تصبح الوقائع جزءًا من ذاكرةٍ عامة، لا مادةً للإنكار أو المساومة.
في تلك التجارب، لم تكن العدالة كاملة، لكنها كانت واضحةً بما يكفي لتقول إن هناك فرقًا بين الجريمة وبين ما لا يشبهها، وإن هذا الفرق لا يمكن طمسه باسم التوازن أو المصالحة.
وفي الحالة السورية، تبدو الحاجة إلى هذا الوضوح أكثر إلحاحًا. فلا يمكن القفز إلى المصالحة قبل تثبيت الحقيقة، ولا يمكن الحديث عن المستقبل بينما الماضي ما يزال محل نزاع. العدالة، في حدّها الأدنى، تعني أن تُسمّى الأشياء بأسمائها، وأن يُعترف بما حدث من دون مواربة، وألّا يُترك المجال لإنكارٍ يعيد صياغة الألم على نحوٍ يُفرغه من معناه.
قد لا تكون هذه العدالة كاملة، وقد لا تتحقق بسرعة، لكنها تظل أقل كلفةً من بديلها. لأن غياب العدالة، أو استبدالها بتسويات قائمة على التغاضي، لا ينتج سلامًا حقيقيًا، بل هدنةً هشّة.
وهنا، لا يعود السؤال إن كانت العدالة ممكنةً بالكامل، بل إن كان يمكن التخلي عنها أصلًا. لأن التخلي عنها لا يعني فقط إغلاق ملف الماضي، بل فتح الباب لتكراره.
البلد الذي يُبنى على النسيان يبقى هشًّا، والذي يُبنى على تمييع الحقيقة يبقى قلقًا. أما البلد الذي يواجه ماضيه بوضوح، ويضع حدًا للإنكار قبل أي شيء، فهو وحده الذي يملك فرصةً حقيقية للحياة.
