بعد أكثر من عشر سنوات من الجفاف والتصحر، عادت بحيرة الشهباء شمالي حلب لتستعيد شيئاً من صورتها القديمة، بعدما امتلأ السد بالمياه مجدداً بفعل الموسم المطري الغزير الذي شهدته المنطقة هذا العام، في مشهد أعاد الأمل للأهالي والمزارعين، وفتح الباب أمام عودة الحركة السياحية إلى واحدة من أبرز المناطق الطبيعية في ريف حلب الشمالي.
وعلى الطريق المؤدي إلى البحيرة، تتغير ملامح المكان تدريجياً، أراضٍ خضراء تمتد على جانبي الطريق، ومياه واسعة تلامس أطراف التلال، وعشرات السيارات القادمة من مدينة حلب والبلدات المجاورة، تحمل عائلات وشباناً يبحثون عن ساعات هادئة بعيداً عن ازدحام المدن وضغط الحياة اليومية، فالمنطقة التي بقيت لسنوات مجرد أرض جافة ومهجورة، تحولت خلال الأشهر الماضية إلى مقصد يومي للزوار، بعد أن عادت المياه إليها للمرة الأولى بهذا الشكل منذ أكثر من عقد.
مصادر محلية قالت لموقع تلفزيون سوريا إن السد بقي جافاً طوال السنوات الماضية بسبب ضعف الهطولات المطرية وانقطاع مصادر التغذية المائية، وأهمها نهر قويق، إلا أن أمطار هذا الموسم أعادت الحياة إليه بصورة غير مسبوقة، الأمر الذي انعكس مباشرة على واقع المياه الجوفية والزراعة في المنطقة، وأعاد الأمل بإمكانية استثمار البحيرة اقتصادياً وسياحياً خلال الفترة المقبلة.
ويعد سد الشهباء، الذي أُنشئ عام 1966، من أبرز المنشآت المائية في ريف حلب الشمالي، إذ تمتد البحيرة خلفه على مساحة تقارب 600 هكتار، ويلعب دوراً مهماً في دعم المخزون المائي وتحسين الواقع البيئي والمعيشي لأهالي المنطقة، إلى جانب كونه واحداً من المواقع القليلة التي ما تزال تحتفظ بطبيعة مفتوحة ومساحات خضراء في منطقة استنزفها الجفاف وقطع الأحراش.
البحيرة تتحول إلى متنفس للأهالي
مع ساعات الظهيرة، تبدو ضفاف بحيرة الشهباء وكأنها تستعيد شيئاً من الحياة التي غابت عنها لسنوات طويلة، أطفال يركضون قرب المياه، شبان يجلسون على الصخور المرتفعة لالتقاط الصور، وعائلات تفترش الأرض تحت ما تبقى من الأشجار القليلة المنتشرة حول البحيرة – في مشهد لم يكن مألوفاً في المنطقة منذ أكثر من عقد.
وخلال جولة لموقع تلفزيون سوريا، بدا واضحاً أن البحيرة تحولت خلال الأشهر الماضية إلى واحدة من أبرز الوجهات التي يقصدها الأهالي في ريف حلب الشمالي، خصوصاً مع غياب الحدائق العامة والأماكن الطبيعية المجهزة للتنزه، وارتفاع تكاليف السفر إلى المناطق السياحية البعيدة.
أبو أحمد، وهو معلم مدرسة من ريف حلب، جاء برفقة عائلته لقضاء يوم قرب البحيرة، يقول إن المكان بات يشكل متنفساً حقيقياً للأهالي بعد سنوات من الجفاف وغياب أي مشهد طبيعي مشابه في المنطقة، ويضيف لموقع تلفزيون سوريا: “طوال السنوات الماضية كنا نمر من هون وما نشوف غير أرض يابسة وغبار، اليوم الناس صارت تجي حتى تشوف المي والخضرة وتغير جو شوي”.
ويتابع الرجل، وهو أب لأربعة أطفال، أن الظروف المعيشية الصعبة دفعت كثيراً من العائلات للبحث عن أماكن قريبة وغير مكلفة لقضاء بعض الوقت خارج المدن، مضيفاً: “أغلب الناس هون وضعها المادي ما بيسمح تطلع على أماكن سياحية بعيدة أو تدفع تكاليف كبيرة، لذلك وجود مكان طبيعي قريب صار مهم جداً للعائلات”.
أما حمزة الحسن، وهو طالب جامعي جاء مع أصدقائه من ضواحي اعزاز، فيقول إن صور البحيرة انتشرت بكثرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأسابيع الماضية، ما شجع كثيرين على زيارتها للمرة الأولى، ويضيف خلال حديثه لموقع تلفزيون سوريا: “المنطقة جميلة بشكل مو متوقع، خصوصاً بعد سنوات الجفاف، لكن لسا الخدمات ضعيفة جداً، الطريق متعب وما في إنارة أو أماكن جلوس منظمة، ومع ذلك الناس عم تجي لأن المكان مختلف والطبيعة فيه مريحة”.
وخلال عطلة نهاية الأسبوع، تشهد البحيرة ازدحاماً كبيراً مقارنة ببقية الأيام، إذ يقصدها شبان وعائلات من مدينة حلب والبلدات المجاورة للتنزه والتقاط الصور وقضاء ساعات قرب المياه، في وقت يرى فيه كثير من الأهالي أن المنطقة تمتلك مقومات قد تجعلها واحدة من أبرز الوجهات الطبيعية شمالي سوريا إذا ما جرى الاهتمام بالخدمات والبنية التحتية المحيطة بها.
المياه تعيد الأمل للمزارعين
لا تتوقف أهمية بحيرة الشهباء عند الجانب السياحي فقط، فعودة المياه إلى السد انعكست بشكل مباشر على الواقع الزراعي والمعيشي في المنطقة، التي يعتمد قسم كبير من سكانها على الزراعة وتربية المواشي، أبو خالد، وهو مزارع لديه أرض زراعية قريبة من بحيرة الشهباء، يقول إن امتلاء السد هذا العام أنقذ الموسم الزراعي بالنسبة لكثير من الأهالي، بعدما شهدت المنطقة سنوات طويلة من الجفاف وتراجع المياه الجوفية.
ويضيف لموقع تلفزيون سوريا: “الآبار رجعت تتحسن والمياه ارتفعت بشكل واضح، وهذا الشي خفف علينا كثير، لأن الزراعة هون مرتبطة بشكل مباشر بالمياه”، ويشرح الرجل أن عدداً كبيراً من المزارعين كانوا يواجهون صعوبة كبيرة في ري محاصيلهم خلال السنوات الماضية بسبب انخفاض منسوب المياه وارتفاع تكاليف الضخ، مضيفاً أن الموسم الحالي أعاد الأمل بإمكانية استعادة جزء من النشاط الزراعي في المنطقة.
يرى عدداً من الأهالي الذين التقاهم موقع تلفزيون سوريا في القرى القريبة، أن البحيرة يمكن أن تتحول مستقبلاً إلى مصدر اقتصادي أوسع، سواء عبر استثمارها في تربية الأسماك أو إنشاء مشاريع سياحية وخدمية توفر فرص عمل للسكان المحليين، مصدر محلي من قرية قول سروج قال لموقع تلفزيون سوريا إن هناك إمكانية لجعل البحيرة دائمة وعدم بقائها مرتبطة بالأمطار الموسمية فقط، في حال جرى إيصال مياه من نهر الفرات إليها مستقبلاً، ويضيف: “إذا صار في مشروع حقيقي لتغذية البحيرة بشكل دائم، المنطقة كلها رح تتغير، الزراعة رح تتحسن، والسياحة رح تكبر، وحتى فرص العمل رح تزيد بشكل كبير”.
مبادرات شبابية لإعادة الخضرة
ورغم عودة المياه، ما تزال آثار السنوات الماضية واضحة في محيط البحيرة، حيث تعرضت الأحراش المحيطة بها لعمليات قطع واسعة خلال الفترة التي وقعت فيها المنطقة تحت سيطرة “قوات سوريا الديموقراطية” (قسد)، ولم يبق سوى عدد محدود من الأشجار المتناثرة قرب ضفاف السد، والمنطقة شهدت أيضاً انتشار مخيمات للنازحين حول البحيرة الجافة، في وقت أدى فيه غياب الرقابة والخدمات إلى تراجع الغطاء النباتي بشكل كبير.
عدد من شباب المنطقة يحاولون اليوم إعادة جزء من الحياة الطبيعية إلى المكان عبر مبادرات تطوعية لزراعة الأشجار وتنظيف محيط البحيرة، شادي أحمد مشو، أطلق بداية شهر أيار/مايو، مبادرة سماها “غرسة أمل”، يقول لموقع تلفزيون سوريا إن مجموعة من شباب القرى المحيطة بالبحيرة أطلقت حملة تطوعية لزراعة الأشجار الحراجية حول السد، ويضيف: “الفكرة بدأت لأننا شعرنا أن المنطقة تحتاج فعلاً لمن يحافظ عليها، خاصة بعد القطع الجائر للأشجار خلال السنوات الماضية”.
وبحسب مشو، شارك نحو 35 شاباً في الحملة، وتمت زراعة أكثر من ألف شجرة حراجية حتى الآن، مع خطط لتوسيع المبادرة لاحقاً نحو بلدات أخرى في ريف حلب الشمالي، ويتابع: “كل شجرة نزرعها اليوم هي رسالة أمل للمستقبل، والمنطقة تستحق أن تعود خضراء مثلما كانت”.
مشاريع بسيطة
ومع ازدياد أعداد الزوار إلى بحيرة الشهباء، بدأت تظهر في محيط البحيرة مشاريع صغيرة تحاول الاستفادة من الحركة الجديدة التي تشهدها المنطقة، رغم ضعف الإمكانات والخدمات الأساسية، المعتصم بالله عيد، وهو شاب عاد من تركيا بعد سنوات من اللجوء، افتتح أول مقهى قرب البحيرة تحت اسم “كافيه الشهباء”، في محاولة لتحويل المكان إلى نقطة جذب للزوار.
ويقول المعتصم لموقع تلفزيون سوريا إن فكرة المشروع جاءت بعد ملاحظته الإقبال المتزايد على المنطقة خلال الأشهر الأخيرة، ويضيف: “المكان بطبيعته جميل جداً، وأنا حبيت أعمل مشروع بسيط يخدم الناس ويعطيهم مكان يرتاحوا فيه”.
المعتصم، الذي كان يعمل في المجال الطبي بتركيا، يقول إنه يطمح لتوسيع المشروع مستقبلاً وإنشاء قسم مخصص للعائلات وألعاب الأطفال، لكنه يؤكد أن المنطقة ما تزال تفتقر لأبسط الخدمات، ويتابع: “الطرق سيئة جداً، وما في إنارة أو حمامات أو خدمات نظافة، وحتى مكافحة الحشرات والبعوض شبه معدومة”، ورغم ذلك، يشير إلى أن الإقبال على البحيرة يتحسن يوماً بعد يوم، خاصة خلال يومي الخميس والجمعة، حيث تشهد المنطقة ازدحاماً كبيراً مقارنة ببقية الأيام، ويقول: “الناس فعلاً كانت محتاجة مكان طبيعي قريب، وكل يوم في ناس جديدة عم تتعرف على المنطقة”.
بين الأمل والإهمال
خلال الجولة التي أجراها موقع تلفزيون سوريا في محيط بحيرة الشهباء، بدا واضحاً أن الأهالي لا ينظرون إلى عودة المياه بوصفها مجرد مشهد موسمي عابر، بل كفرصة قد تغير واقع المنطقة بالكامل، سياحياً وزراعياً وحتى اقتصادياً، بعد سنوات طويلة من الجفاف والتهميش.
ورغم حالة التفاؤل التي خلقتها البحيرة هذا العام، فإن الفجوة تبدو كبيرة بين حجم الآمال والإمكانات المتوفرة على الأرض، فالمنطقة ما تزال تفتقر إلى أبسط الخدمات والبنية التحتية، من الطرق المعبدة والإنارة وحتى مرافق النظافة والاستراحات العامة، في وقت لا توجد فيه حتى الآن مشاريع حقيقية قادرة على استثمار المقومات الطبيعية التي تمتلكها البحيرة ومحيطها.
ويرى كثير من الأهالي أن مستقبل المنطقة سيتوقف إلى حد كبير على مدى تدخل الجهات الرسمية خلال المرحلة المقبلة، سواء عبر تحسين الخدمات وتأهيل الطرق، أو حماية ما تبقى من الأحراش التي تعرضت خلال السنوات الماضية لعمليات قطع واسعة، إضافة إلى إطلاق مشاريع تنموية تمنع عودة المكان إلى الإهمال مجدداً بعد انتهاء الموسم المطري.
وبالنسبة لسكان ريف حلب الشمالي، لا تبدو عودة المياه إلى بحيرة الشهباء مجرد حدث مرتبط بغزارة الأمطار هذا العام، بل لحظة استعادت فيها المنطقة شيئاً من الحياة التي فقدتها خلال أكثر من عقد، فعند ضفاف البحيرة، لا يرى الأهالي مجرد مياه تجمعت خلف السد، بل فرصة جديدة للزراعة والعمل والتنزه، وأملاً بإمكانية أن تتحول المنطقة مستقبلاً إلى مساحة نابضة بالحياة بدل أن تبقى أرضاً موسمية تستيقظ لبضعة أشهر ثم تعود إلى الجفاف من جديد.
وربما لهذا السبب، يتمسك كثير من الأهالي بالمشهد الحالي للبحيرة، ليس فقط لجماله الطبيعي، بل لأنه يعكس بالنسبة لهم صورة مختلفة عن منطقة عاشت طويلاً على هامش الخدمات والاستثمارات والاهتمام، فبين الماء والخضرة وما تبقى من الأحراش القديمة، تحاول بحيرة الشهباء اليوم أن تستعيد مكانها، لا كخزان مائي فحسب، بل كمساحة أمل صغيرة لأهالي شمالي حلب.



