شكلت قضية الشابة بتول سليمان علوش واحدة من أكثر القضايا تداولاً وإثارة للجدل في الأيام الأخيرة، وسط تضارب الروايات والتحليلات التي رافقتها، منذ انقطاع الاتصال بها في أواخر نيسان الفائت ثم ظهورها ونفيها مزاعم الخطف، مروراً بحملات التنديد والمطالبة بالكشف عن مكانها، وسعي بعض الأطراف إلى “تدويل” قضيتها، وصولاً إلى ظهورها مجدداً لتؤكد أنها غادرت منزلها بمحض إرادتها، ومناشدتها السوريين عدم استغلال قصتها لإثارة النعرات والانقسام.
بدأت القصة مع نشر عائلة بتول (الطالبة في المعهد التقاني الطبي بجامعة اللاذقية – تشرين سابقاً) تسجيلات مصوّرة على فيس بوك، أفادت فيها بانقطاع الاتصال مع ابنتها في أواخر شهر نيسان، وذلك عقب خروجها من السكن الجامعي وعودتها إلى منزل العائلة الكائن في منطقة بانياس بريف طرطوس، وناشد الوالدان الجهات المعنية والمواطنين في العثور عليها.
أثارت مناشدات الأسرة تفاعلاً واسعاً، قبل أن تظهر بتول لاحقاً في تسجيل مصوّر، وهي تضع غطاء الرأس (الحجاب)، وتقول فيه إنها ليست مخطوفة، وإنما “هاجرت في سبيل الله” من اللاذقية إلى جبلة، بإرادتها الشخصية، ليعود الجدل مجدداً ويحتل منصات التواصل الاجتماعي بين مدافع ومهاجم ومشكِّك.
العائلة تشكّك
عقب المقطع، نشر والدا بتول تسجيلات مصوّرة ادّعيا فيها أن ظهور ابنتهما وحديثها جرى تحت الضغط والإكراه، وأتبعتها الوالدة بمقاطع قالت فيها إن العائلة تلقت “تهديدات وحملة ترهيب وابتزاز” عقب إثارة القضية إعلامياً، من جهات لم تسمّها.
وأكدت الوالدة أن العائلة ما تزال مصرّة على تعرّض بتول للاختطاف، وترفض رواية مغادرتها الطوعية، وبأن ابنتها “تعرضت للضغط والضرب والإهانة والشتائم” في المكان الذي بثّت فيه المقطع المصوّر على ساحل مدينة جبلة، مناشدة “كل منظمات حقوق الإنسان” للكشف عن مكان ابنتها وإعادتها.
بالتوازي مع ذلك، شهدت منصات التواصل الاجتماعي انقساماً حاداً في الشارع السوري، نتيجة تحميل بعض الأطراف السلطات السورية كامل المسؤولية عن “اختطاف” الشابة، ووصل الأمر لدى أحدهم إلى مناشدة الاحتلال الإسرائيلي للتدخل في الأمر.
بينما رأت الأطراف الأخرى أن المسألة تخصّ صاحبة القضية وعائلتها، وبأن التصعيد المرافق للحادثة عبارة عن حملة جديدة ضمن سلسلة الحملات التي تستهدف القيادة السورية الجديدة وأجهزتها من قبل المعارضين و”فلول” النظام المخلوع.
“اللوبي النسوي السوري” نشر بياناً على حسابه في فيس بوك، قال فيه إنه “يتابع بقلق بالغ تفاصيل اختفاء الشابة بتول سليمان ومطالبات أهلها المؤلمة بإعادتها إليهم”.
وأضاف أن العائلة شككت بمحتوى الفيديو “الذي ظهرت فيه الشابة تقول إنها هاجرت في سبيل الله، وبأنه قد يكون صُوّر تحت الضغط”، مطالباً “السلطات بالتحرك العاجل لكشف مصير الشابة وضمان سلامتها ومحاسبة أي متورطين باختفائها”، ومحملًا “السلطات المسؤولية عن سلامتها وعودتها الآمنة لمنزلها”.
لقاء الأهل بابنتهم.. نفي الخطف وتأكيده!
يوم الخميس الفائت، انتشر مقطع جديد يظهر فيه والد الفتاة، ويؤكد فيه أنه التقى مع أمها بابنتهم داخل مقر المباحث الجنائية بمدينة جبلة، ونفى فيه أيضاً رواية خطفها.
وقال سليمان علوش إن ابنته ليست مخطوفة، وبأنه جلس معها لمدة ساعتين، مشيراً إلى أنها بحالة جيدة ولا تشكو من شيء.
وأوضح بأنه حين سألها عن دافع اختفائها، أجابت بأن السبب هو “الدين”، مضيفاً أنه لم يمانع خيارها، قائلاً إن “أي دين مقرّب لرب العالمين فنحن معه. وبعد يومين أو ثلاثة سنعود ونعيش معاً، وهي حرّة باختيار الدين الذي تريد”.
وأعرب الوالد عن شكره للجهاز الأمني الذي لم يدخر جهداً في متابعة القضية، بعد أن قطع وعداً بإعادتها إلى أهلها.
ساهم ذلك المقطع نسبياً في تهدئة الأجواء والجدل المثار، إلى أن ظهر والدا الفتاة في مقطع فيديو مساء الأحد، تراجع فيه الوالد عن نفيه رواية اختطاف ابنته، مؤكداً أنها “مختطفة وسبية” هذه المرة، وقال إن ابنته التي التقى فيها يوم الخميس الفائت “في قاعة استجواب” لم تكن بوعيها، وكانت صامتة طيلة اللقاء الذي استمر لساعتين.
وادعى الأب أن التصوير الذي ظهر فيه نافياً اختطاف ابنته، لم يكن بإرادته، وإنما تنفيذاً لطلب أحد عناصر الأمن مقابل تسليمهم ابنتهم يوم (أمس) الأحد، إلا أنهم لم يتسلّموها. كما نفى الوالد أيضاً أن تكون ابنته قد “غيّرت دينها”.
أما والدة بتول، فقد اتهمت من وصفتهم بـ “متشددي وأمراء جبلة” باختطافها و”سبيها”، وإسكانها داخل مركز “الأخوات”، على حد تعبيرها، لتعيد مجدداً حالة الانقسام وتقاذف الاتهامات، ومنشورات التحريض المباشرة ضد الحكومة وسلطاتها.
كما أثار ورود مسمّى “مركز الأخوات” في حديث الوالدة، تساؤلات حول ماهية المكان والمسمّى، فأصدرت “الآلية السورية للتحقيق” بياناً طالبت فيه “وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل ووزارة الداخلية بإصدار توضيح رسمي وعاجل يتضمن بيان الطبيعة القانونية لما يسمى (بيت الأخوات) وتوضيح ما إذا كان المكان حاصلاً على تراخيص رسمية وتحت أي صفة قانونية، والكشف عن الجهة الإدارية أو الدينية أو المدنية التي يتبع لها”.
محامي بتول: موكلتي اختارت طريقها دون إكراه
وفي مقطع حديث يتعلّق بتطورات القضية المتداولة، نشر الإعلامي زين بدرة عبر حسابه على فيس بوك لقاء مع محامي بتول علوش، للوقوف على آخر التطورات المتعلقة بقضيتها، وذلك من أمام المجمع الحكومي في مدينة جبلة.
وخلال اللقاء، أوضح المحامي أكرم منصور أن بتول وكّلته صباح أمس الأحد لمتابعة قضيتها، ثم حضرا سوية إلى مقر المباحث الجنائية، وقال إن الأسئلة التي وجّهت لها من قبل المحقق “كانت روتينية”.
وأضاف المحامي: “من خلال حديثها ولغة جسدها، أستطيع القول إنها لم تتعرض لأي ضغط أو إكراه، وأنها مرتاحة ومتصالحة مع نفسها… هي اختارت طريق تغيير مذهبها أو طائفتها، وهذا شيء يعنيها هي فقط، ولا يخص أحداً غيرها”.
ولفت المحامي إلى أن موكلته لا تملك حالياً أي حساب شخصي على منصات التواصل الاجتماعي، مؤكداً أن أي حساب يحمل اسمها هو “غير حقيقي، وليست مسؤولة عمّا ينشر فيه”.
بتول على الهواء: “شو دخلك بيني وبين ربي؟”
ولم تكد أن تبدأ جولة ردود الفعل من الطرفين إزاء مقطع المحامي، حتى ظهرت بتول في بثّ مباشر أمام مجموعة من وجهاء بلدتها وإدارة المنطقة وعدد من الإعلاميين بمدينة جبلة، لتنفي مجدداً رواية اختطافها التي تداولتها العائلة، ولتؤكد أنها غادرت منزل الأسرة بمحض إرادتها و”لأسباب خاصة” لا تود الإفصاح عنها، وبأنها تقيم اليوم في منزل إحدى صديقاتها وليس في مركز “الأخوات” الذي ذكرته والدتها.
وأجابت بتول على معظم الأسئلة التي طرحت عليها من قبل الحاضرين، والتي كان غالبيتها يدور حول محور دوافعها في إعلان “تغيير دينها”، فكان ردها على أحدهم: “شو دخلك بيني وبين ربي؟”. وقالت في إجابة أخرى حول الضجة الكبيرة التي أثارتها قصتها: “لو اختار أحدهم أن يصبح مثلياً، أو تغيير جنسه من ذكر إلى أنثى أو بالعكس، هل كانت ستحدث نفس الضجة؟”.
وفي نهاية اللقاء الذي استمر حتى ساعات الفجر الأولى من اليوم الإثنين، دعت بتول إلى عدم تداول قصتها واستغلالها لإثارة النعرات والانقسامات بين السوريين، مجددة تأكيدها بأن قرارها كان بمحض إرادتها، وبأنها كانت تفكّر في هذه الخطوة منذ أكثر من سنة.
الداخلية السورية تحدد حالات اختفاء النساء
تأتي قضية بتول علوش لتعيد إلى الأذهان النقاش الذي تزايد حول حوادث اختفاء وفقدان فتيات ونساء، خصوصاً في مناطق الساحل خلال السنة الفائتة، وهي ملفات تحوّلت مراراً إلى مادة جدلية على مواقع التواصل، بين من يشير إلى حالات خطف فعلية، وبين من يتحدث عن وجود دوافع شخصية أو اجتماعية خلف كثير من تلك الحالات.
وفي مطلع تشرين الثاني من العام الفائت، كشف المتحدث الرسمي باسم وزارة الدخلية السورية نور الدين البابا، في مؤتمر صحفي، أن لجنة تابعة لوزارة الداخلية جمعت ووثقت كل ما نُشر من بلاغات أو منشورات تتحدث عن حالات اختطاف منذ بداية العام الماضي وحتى العاشر من شهر أيلول 2025.
وقال البابا إن عمل اللجنة شمل أربع محافظات هي اللاذقية، طرطوس، حمص، وحماة، وقد بلغ عدد ما رصدته اللجنة وتعاملت معه اثنتين وأربعين حالة، في ستين جلسة على مدى ثلاثة أشهر.
وكشف البابا ما توصلت إليه اللجنة حول عمليات الاختطاف وجاء كالتالي:
- اثنتا عشرة حالة هروبٍ طوعي مع شريكٍ عاطفي.
- تسع حالات تغيّبٍ مؤقتٍ أو قصير عند أقارب أو أصدقاء لم يتعدَّ 48 ساعة.
- ستّ حالات هروب من العنف الأسري.
- ستّ حالات ادعاء كاذب على وسائل التواصل الاجتماعي.
- أربع حالات تورّط في الدعارة أو الابتزاز.
- أربع حالات جرائم جنائية تم التوقيف على خلفيتها لدى الجهات المختصة.
وفي حين سجلت اللجنة حالة واحدة ثبت فيها وقوع جرم اختطافٍ حقيقي، أُعيدت بها الفتاة بسلام بعد متابعة الأجهزة الأمنية للقضية.
وأشار البابا حينها إلى أن اللجنة راجعت السجلات الرسمية التي احتوت على شكاوى ذوي الضحايا، واستمعت إلى النساء والفتيات المعنيات وذويهن، وزارت المواقع التي أُشير إليها في السجلات ومنشورات وسائل التواصل، وقد تبيّن أن إحدى وأربعين حالة من هذه الشكاوى لم تكن حالات اختطاف.
واليوم، في حالة بتول علوش، وعلى الرغم من مقطعها الأخير والانتشار الواسع لقضيتها، لم تصدر حتى الآن رواية رسمية نهائية أو نتائج تحقيق معلنة تحسم حقيقة ما جرى معها، ما يبقي الملف مفتوحاً أمام التأويلات والتجاذبات، في ظل استمرار تداول مقاطع الفيديو والتصريحات المرتبطة بالقضية على نطاق واسع.
