تصدّر ملف الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وأزمة مضيق هرمز محادثات الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جين بينغ في بكين، وسط مخاوف متزايدة من اتساع تداعيات الحرب على الطاقة والتجارة العالمية.
وقال ترمب قبل القمة إنه لا يعتقد أن واشنطن تحتاج إلى مساعدة الصين بشأن إيران، مضيفاً: “سننتصر بطريقة أو بأخرى، سلمياً أو بغير ذلك”، في وقت تتواصل فيه الخلافات بين الولايات المتحدة وطهران بشأن شروط إنهاء الحرب، بحسب وكالة “رويترز”.
وبحسب البيت الأبيض، اتفق ترمب و”شي” خلال المحادثات على ضرورة بقاء مضيق هرمز مفتوحاً لضمان حرية تدفق الطاقة، كما أكد الزعيمان أن إيران “يجب ألا تمتلك سلاحاً نووياً”.
وأشار البيان الأميركي إلى أن شي أبلغ ترمب معارضة بكين “لعسكرة المضيق” أو فرض رسوم عبور فيه، كما أبدى اهتماماً بزيادة مشتريات الصين من النفط الأميركي لتقليل اعتمادها على مضيق هرمز مستقبلاً.
في المقابل، لم تتضمن البيانات الصينية الرسمية أي إشارة إلى شراء النفط الأميركي أو تفاصيل مرتبطة بالمضيق، واكتفت بالقول إن الجانبين بحثا تطورات الشرق الأوسط.
إيران وهرمز في قلب التوتر
وتأتي القمة في وقت ما تزال فيه الحرب تلقي بظلالها على أسواق الطاقة والملاحة الدولية، خاصة مع استمرار التوتر في مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية.
كما تراقب واشنطن تنامي العلاقات الاقتصادية بين بكين وطهران، إذ تعد الصين أكبر مشترٍ للنفط الإيراني رغم العقوبات الأميركية.
وتراجعت واردات الصين من النفط الخام خلال نيسان الماضي بنسبة 20 بالمئة على أساس سنوي، نتيجة لاضطرابات الإمدادات وارتفاع تكاليف النقل والتأمين البحري بسبب الحرب.
وتزامنت القمة أيضاً مع عبور ناقلة نفط صينية عملاقة مضيق هرمز تحمل مليوني برميل من النفط الخام العراقي، في ثالث عملية عبور معروفة لناقلة صينية منذ اندلاع الحرب في 28 شباط الماضي.
كما تحدثت تقارير عن اتفاقات أبرمتها إيران مع العراق وباكستان لتنظيم شحن النفط والغاز الطبيعي المسال من المنطقة، بينما بدأت دول أخرى دراسة ترتيبات مشابهة لتأمين تدفق الطاقة وسط الأزمة الحالية.
تايوان تعود إلى الواجهة
وإلى جانب إيران، برز ملف تايوان كأحد أكثر الملفات حساسية خلال القمة، بعدما حذر شي ترمب من أن سوء إدارة الملف قد يدفع العلاقات بين البلدين إلى “مكان خطير”.
وكان ترمب قد أعلن قبل مغادرته واشنطن أنه سيناقش مع شي مسألة مبيعات السلاح الأميركية إلى تايوان، وسط مخاوف متزايدة في الجزيرة من أن تتحول القضية إلى ورقة تفاوض بين واشنطن وبكين.
وفي تايبيه، قال متحدث باسم مجلس شؤون البر الرئيسي إن الصين مطالبة بوقف “الترهيب العسكري” ضد الجزيرة، معتبراً أن أكبر تهديد للاستقرار في مضيق تايوان هو محاولات بكين تغيير الوضع القائم بالقوة.
وتشهد المنطقة بشكل شبه يومي نشاطاً عسكرياً صينياً قرب الجزيرة، في إطار ما تصفه تايوان بأنه حملة ضغط متواصلة ضد حكومتها المنتخبة ديمقراطياً.
وفي المقابل، تؤكد بكين أن لها السيادة الكاملة على تايوان ومضيق تايوان، بينما ترفض تايبيه وواشنطن هذا الموقف وتعتبران المضيق ممراً دولياً.
رسائل سياسية واقتصادية
وخلال افتتاح القمة، أشاد شي بما وصفه “تموضعاً جديداً” للعلاقات بين الولايات المتحدة والصين، مؤكداً أن بناء علاقة “مستقرة واستراتيجية” بين البلدين سيوفر إطاراً للعلاقات الثنائية خلال السنوات المقبلة.
كما حذر الرئيس الصيني من أن الخلافات حول تايوان قد تدفع العلاقات إلى مسار خطير، رغم إشارته إلى وجود تقدم في المحادثات التجارية.
من جهته، شكر ترمب نظيره الصيني على الاستقبال الرسمي، وقال مخاطباً شي: “أنت قائد عظيم، حتى لو لم يحب البعض أن أقول ذلك”، مضيفاً أن هناك من يعتبر القمة “الأكبر على الإطلاق”.
وشهدت الزيارة مراسم استقبال رسمية شارك فيها حرس شرف وأطفال رفعوا الأعلام والزهور، قبل انطلاق جولة محادثات مغلقة بين الجانبين.
كما اصطحب شي الرئيس الأميركي إلى معبد السماء التاريخي في بكين، في خطوة أعادت إلى الأذهان زيارة ترمب السابقة إلى الصين عام 2017، عندما نظم له الرئيس الصيني وزوجته جولة خاصة داخل المدينة المحرمة.
الاقتصاد والتكنولوجيا في صلب المباحثات
ولا تقتصر القمة على الحرب مع إيران فقط، بل تشمل أيضاً ملفات التجارة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وسلاسل التوريد العالمية، وسط استمرار التنافس الاقتصادي بين أكبر اقتصادين في العالم.
وفي هذا السياق، كشفت مصادر مطلعة أن وزارة التجارة الأميركية وافقت لنحو 10 شركات صينية على شراء شريحة الذكاء الاصطناعي H200 التابعة لشركة إنفيديا، وهي ثاني أقوى رقائق الشركة الأميركية.
لكن المصادر أكدت أن أي عمليات تسليم لم تتم حتى الآن، بعدما تراجعت شركات صينية عن الصفقات إثر توجيهات من بكين.
وتشمل الشركات المصرح لها بالشراء كلاً من علي بابا وتينسنت وبايت دانس وJD.com، في مؤشر جديد على تعقيدات التنافس التكنولوجي بين واشنطن وبكين.
وقبل تشديد القيود الأميركية على تصدير الرقائق، كانت إنفيديا تستحوذ على نحو 95 بالمئة من سوق الرقائق المتقدمة في الصين.
وأكدت شركة لينوفو أنها من بين الشركات المصرح لها ببيع رقائق H200 داخل الصين بموجب تراخيص التصدير الأميركية.
ترمب تحت ضغط داخلي
وتحظى الزيارة باهتمام استثنائي داخل الولايات المتحدة أيضاً، إذ تعد أول زيارة لرئيس أميركي إلى الصين منذ زيارة ترمب السابقة عام 2017، كما تأتي في وقت تراجعت فيه شعبية الرئيس الأميركي بسبب تداعيات الحرب مع إيران وارتفاع أسعار الطاقة.
ويرى محللون أن بكين تتعامل مع القمة باعتبارها فرصة لإظهار الاستقرار والثبات أمام الداخل والخارج، أكثر من التركيز على تحقيق اتفاقات فورية.
وقال لاري هو، كبير الاقتصاديين المختصين بالصين في شركة “ماكواري”، إن بكين تتبنى “نهج الانتظار والترقب”، مضيفاً أن هدف الصين الرئيسي من القمة هو “إظهار الاستقرار والقدرة على التنبؤ” للجمهور المحلي والدولي.
وفي الأسواق، ارتفع اليوان الصيني إلى أعلى مستوى له أمام الدولار منذ ثلاث سنوات، في حين تراجعت الأسهم الصينية قليلاً مع ترقب المستثمرين نتائج القمة والمحادثات بين الزعيمين.
