أعلنت الحكومة مؤخراً عن تعديل أسعار المحروقات، وذلك بعد نقاشات مطولة حول ضرورة مواكبة التكاليف العالمية المتزايدة، في ظل تراجع الإنتاج المحلي وارتفاع فاتورة الاستيراد.
وأوضح مصدر في وزارة الطاقة أن هذا القرار جاء نتيجة مباشرة لتقلب أسعار النفط في الأسواق العالمية والكلف العالية التي تقع على عاتق الدولة، خاصة بعد تحرير مناطق شرق سوريا ومحاولة إعادة تأهيل الحقول هناك.
خسائر شهرية فادحة تكبدتها الدولة
قال مصدر في وزارة الطاقة إن خزينة الدولة العامة تكبدت خلال الفترة الماضية خسائر شهرية تجاوزت 219 مليون دولار في ملف دعم المشتقات النفطية، وذلك في إطار سعيها إلى عدم رفع الأسعار، وتم تأجيل هذه التعديلات أطول وقت ممكن تخفيفاً للأعباء عن المواطن.
وحول تفاصيل الخسائر، أوضح المصدر أن خسائر المازوت تبلغ 135 مليون دولار شهرياً، والفيول 51 مليون دولار، والبنزين 23 مليون دولار، والغاز 10 ملايين دولار شهرياً، مشيراً إلى أن قرار تعديل الأسعار يضمن للمواطنين استمرار التوريد وتقديم الخدمات، وهو مرتبط بأسعار النفط عالمياً، وقد يتبدل في أي وقت.
تأثير مباشر على المعيشة والصناعة
تعد عودة أسعار المحروقات في سوريا إلى الارتفاع من أكثر القرارات الاقتصادية حساسية، نظراً لانعكاسها المباشر على حياة المواطنين والإنتاج والصناعة والأسعار، حسب ما قاله الخبير الاقتصادي سامر رحال لموقع الإخبارية.
وأشار رحال إلى أن المحروقات تدخل في كل مفاصل الاقتصاد السوري، من النقل والزراعة إلى الصناعة والكهرباء والتدفئة، موضحاً أن كل زيادة بنسبة 10 بالمئة في أسعار الوقود داخل الاقتصادات الهشة تؤدي إلى ارتفاع في التضخم يتراوح بين 2 بالمئة و4 بالمئة خلال أشهر قليلة، ومع ارتفاع بعض المشتقات بأكثر من 25 بالمئة، فمن المتوقع أن تشهد الأسواق السورية موجة جديدة من غلاء الأسعار.
ولفت إلى أن المشكلة الأساسية تكمن في أن دخل المواطن لم يرتفع بالمعدل نفسه، متوقعاً أن يزداد الضغط على الطبقة المتوسطة وذوي الدخل المحدود بشكل أكبر خلال الفترة المقبلة، مشدداً على أن قطاع الصناعة (الغذائية، الألبان، الزيوت، البلاستيك، الإسمنت) يعد من أكثر المتضررين بسبب اعتماده على الوقود والمولدات الخاصة.
معادلة صعبة بين التمويل والاستقرار المعيشي
يذكر أن سوريا كانت تنتج قبل عام 2011 نحو 380-400 ألف برميل نفط يومياً، لكن الحرب أدت إلى تراجع حاد في الإنتاج، فيما توجد اليوم خطط رسمية لرفعه تدريجياً إلى نحو 200 ألف برميل يومياً بحلول نهاية عام 2026.
وتعتمد سوريا حالياً على الاستيراد لتغطية جزء مهم من احتياجات الطاقة، ما يكلف البلاد ما يقارب 20 بالمئة من الإنفاق العام، وهو رقم مرشح للزيادة بسبب ارتفاع أسعار النفط عالمياً وتكاليف الشحن والتأمين البحري، إضافة إلى العقوبات وصعوبات التمويل.
وفي هذا السياق، بات رفع الأسعار ضرورة مالية واقتصادية، في محاولة لتقليل الفجوة بين تكلفة الاستيراد الحقيقية وسعر البيع المحلي المدعوم، لكن المشكلة الأساسية تبقى في ضعف الدخول وتراجع الإنتاج المحلي.
مؤشر على وعي حكومي بالتحديات
إلى ذلك، اعتبر الخبير الاقتصادي سامر رحال أن قرار تعديل الأسعار، رغم سلبياته، يعكس وعياً حكومياً بحجم الخسائر الفادحة التي كانت تتحملها الخزانة، مشيراً إلى أن تأجيل الرفع كل هذه الفترة كان محاولة للتخفيف عن المواطن، لكن استمرار الدعم بهذا الحجم أصبح مستحيلاً في ظل شح الموارد.
ويرى محللون أن النجاح في زيادة الإنتاج المحلي من النفط والغاز، وتحسين واقع الكهرباء، هو الضمان الحقيقي لتخفيف الأعباء المعيشية عن السوريين في المستقبل، بعيداً عن تقلبات الأسواق العالمية.
