يأتي ذلك في الوقت الذي كشفت فيه التطورات الميدانية الأخيرة في مالي حجم التعقيد الذي يحيط بالدور الروسي بعدما تعرضت القوات المالية المدعومة روسيا لسلسلة هجمات واسعة ومنسقة، نفذها تحالف بين جماعات مرتبطة بتنظيم “القاعدة” وحركات الطوارق الانفصالية، وُصفت بأنها الأكبر منذ أكثر من عقد واستهدفت مواقع استراتيجية بينها العاصمة باماكو ومدينة كيدال شمال البلاد وأسفرت عن مقتل وزير الدفاع المالي ساديو كامارا، أحد أبرز مهندسي التقارب مع موسكو.
ومن موسكو، قال “ماركوف”، الذي يتولى منصب مدير معهد الدراسات السياسية، في حديث خاص لموقع “سكاي نيوز عربية”، إن “فيلق أفريقيا الروسي شارك في القتال بشكل مباشر، ولعب دورا حاسما في تحجيم هجوم تنظيم القاعدة والطوارق، حيث تمكن من وقف هذا الهجوم في أغلب المدن، بما فيها العاصمة، باستثناء مدينة واحدة هي كيدال”.
وعن الأهداف الروسية من التواجد العسكري في مالي ومنطقة الساحل، أشار “ماركوف” إلى أن “روسيا تأتي إلى أفريقيا بناءً على طلب الدول الأفريقية نفسها، أي إنها تتواجد في الدول التي ترغب في وجودها وتطلب دعمها، وتساعدها في المجالات التي تحتاج فيها إلى التعاون الروسي”.
وأضاف أن “السبب الرئيسي لوجود روسيا في مالي هو مساعدة الحكومة المالية في مجالي الأمن والدفاع، كما أن مالي أيضًا مهتمة بجذب الاستثمارات والحصول على بعض التقنيات وفتح أسواق لتصدير منتجاتها، وهذا يعني أن الشركات الروسية تدخل أيضًا إلى هناك”.
ووفق تعبيره، فإن “روسيا تظهر في الدول الأفريقية في حالة من التباين مع الدول الغربية، حيث تواصل الأخيرة اتباع سياسات إمبريالية تقليدية ذات طابع استعماري، وفي مالي تحديدًا، تدخل روسيا في حالة من التنافس مع فرنسا، لأن مالي كانت جزءًا من الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية، ثم بقيت لعقود ضمن دائرة النفوذ الفرنسي غير المباشر”.
ولفت إلى أن “روسيا لا تعتبر أن هدفها في أفريقيا هو مواجهة فرنسا أو الدول الغربية، فالتصادم مع فرنسا ليس نتيجة هجوم روسي، بل لأن فرنسا هي التي هاجمت روسيا في هذا السياق، كما لم تأتِ روسيا إلى مالي قط لمواجهة فرنسا عندما كانت العلاقات بين مالي وفرنسا جيدة”.
وفي تقدير المستشار السابق لبوتين، فإن “عندما قررت فرنسا إنهاء وجودها العسكري في مالي وتقليص دعمها للبلاد، نشأ فراغ أمني كبير، وبعد ذلك جاءت روسيا لملء هذا الفراغ الأمني الذي ظهر نتيجة انسحاب باريس من دعم الحكومة المالية، ثم بعد ذلك فقط بدأت فرنسا في توجيه انتقادات وهجمات سياسية لروسيا في مالي”.
وذكر “ماركوف” أن “كل أشكال المواجهة بين روسيا والدول الغربية في مالي وفي دول أخرى من الساحل ليست لأن روسيا قررت المواجهة، بل لأن الدول الغربية اختارت ذلك”.
الألعاب الجيوسياسية
ومع ذلك، يرى المستشار الروسي السابق أنه، بالنظر إلى الأسباب الجيوسياسية لوجود روسيا في الساحل الأفريقي، فإن “موسكو لا تخوض ألعابًا جيوسياسية كبيرة ضد الدول الغربية، بل تسعى فقط إلى حماية نفسها من الضغوط والهجمات الغربية، وبما أن روسيا قوة نووية واقتصادها كبير، فإن بعض الدول ترغب في التعاون معها”.
وقال إن “هدف روسيا الأساسي أن تُحترم مصالحها في جميع المجالات وأن لا تخضع الشركات الروسية للعقوبات، وأن لا يُستهدف الشعب الروسي وهذه هي الرؤية الجيوسياسية الروسية الأساسية فالأمر ليس لعبة شطرنج كبرى في مناطق العالم بل حماية الذات”.
وعاد “ماركوف” للحديث عن مالي مشددًا على أن “روسيا حضرت إلى هنا ليس لأنها تعادي فرنسا بل لأن مالي ترغب في التعاون معنا ولأن روسيا هي الدولة التي أبدت استعدادًا لمساعدة مالي كما أن فرنسا فشلت في توفير فرص تنموية حقيقية لمالي كما لم تنجح في تقديم دعم أمني فعال للحكومة وبالتالي شغلت موسكو الفراغ الأمني الذي نشأ بعد تراجع الدور الفرنسي كقوة كبرى في المنطقة”.
وسبق أن أكدت روسيا بشكل رسمي أنها ستبقي قواتها في مالي، رافضة مطالب الطوارق بالانسحاب الكامل في ظل تصاعد الهجمات التي تشهدها البلاد إذ قال الناطق باسم الكرملين دميتري بيسكوف إن وجود بلاده في مالي “مرتبط بالضرورة التي أعلنتها السلطات”، مضيفًا أن موسكو “ستواصل مكافحة التطرف والإرهاب وغيرهما من المظاهر السلبية، بما في ذلك في مالي”.
وجاء الموقف الروسي بعد دعوة من الطوارق في “جبهة تحرير أزواد” لانسحاب موسكو من البلاد بالتزامن مع الهجمات الواسعة التي نفذها الانفصاليون والارهابيون والتي تعد الأكبر منذ 15 عاما.
لكن في المقابل، يرى مدير مركز العمليات الجيوسياسية الدولية في موسكو وأستاذ العلاقات الدولية بجامعة لوباتشيفسكي الحكومية عمرو الديب أن “أهداف روسيا الاستراتيجية تتجاوز مكافحة الإرهاب إذ تتجلى لديها دوافع اقتصادية وجيوسياسية أعمق، تتمثل في رغبتها في تعزيز نفوذها في المنطقة وإضعاف موقف القوى الغربية التقليدية كفرنسا والولايات المتحدة، وتوسيع قدراتها العسكرية والتجارية في منطقة الساحل” مشددا على أن “من يتحكم بشكل كامل في هذه المنطقة يمكنه التحكم في كميات المعادن التي تتجه للمصانع الأوروبية من القارة الأفريقية”.
وقال الديب لموقع “سكاي نيوز عربية”، إن “دعم القوات الحكومية ومكافحة الجماعات الجهادية يرتبط ارتباطًا وثيقًا باستراتيجية روسيا العالمية لمواجهة التهديدات الإرهابية، كما أنه في ظل التنافس الجيوسياسي، تهتم روسيا بتوسيع التجارة، وإمدادات الأسلحة، والوصول إلى الموارد الطبيعية في المنطقة”.
و”يُعد التصدي للنفوذ الغربي، ولا سيما الفرنسي، عنصرًا هامًا في استراتيجية روسيا، ويتجلى ذلك في ابتعادها عن التحالفات الدولية التقليدية وتكثيف علاقاتها مع مالي، متجاوزةً بذلك الغرب”، حسبما أشار الديب.
انتقادات غربية لدور روسيا
وفي خضم هذه التطورات، تصاعدت الانتقادات الغربية للدور الروسي في الساحل، إذ أشارت تحليلات غربية إلى أن الاستراتيجية الروسية القائمة على “الحلول العسكرية” فشلت في معالجة جذور الأزمة، بل ساهمت في تفاقمها عبر دعم أنظمة عسكرية وتعزيز مناخ الانتهاكات، في حين اعتبرت صحيفة “لوموند” الفرنسية أن سقوط كيدال مثل “ضربة قاسية” للتحالف الروسي ـ المالي.
وبحسب تقرير نشرته “فايننشال تايمز”، فإن الهزيمة في مدينة كيدال كشفت حدود قدرة موسكو على تحقيق الاستقرار في مالي، رغم سنوات من الدعم العسكري الذي قدمته عبر مجموعة فاغنر ثم “فيلق أفريقيا”، في إطار شراكة عسكرية مع السلطات في باماكو.
وعن هذا الأمر، ذكر “ماركوف” أن “الدول الغربية تنتقد روسيا في كل شيء، ولا يوجد موضوع لم تنتقده فيه”، مضيفًا أن “الإعلام والسياسيين الغربيين لا يقومون بتحليل موضوعي لروسيا في العلن، لكن النقاشات الداخلية غير العلنية تعترف بفعالية الدعم الروسي لمالي ودول الساحل الأخرى”، بحسب قوله.
وأوضح أنه “العدو الرئيسي لروسيا في مالي لم يكن الدول الغربية، بل الفوضى والإرهاب المتمثل في تنظيم القاعدة، إضافة إلى ما يُوصف بالقبلية، وخاصة الطوارق، وبعض المجموعات القبلية الأخرى في مالي”.
ويضع “ماركوف” هذا المشهد ضمن سياق أوسع للصراع الدولي في أفريقيا، حيث تتداخل أدوار قوى كبرى مثل الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وروسيا، إلى جانب قوى صاعدة مثل الصين وتركيا والهند، والتي لا يزال دورها قيد التشكل بين المراقبة والتدخل المحدود، وفق تعبيره.
