أعادت الولايات المتحدة وضع سوريا في قلب استراتيجيتها الأمنية في الشرق الأوسط، بعدما ربطت بشكل مباشر بين استقرار البلاد والأمن القومي الأميركي، محذرة من أن هشاشة الوضع الأمني ما تزال تمنح تنظيم “داعش” فرصة لإعادة تنظيم صفوفه وتهديد الأمن الإقليمي والدولي.
وفي وثيقة رسمية قدمها قائد القيادة الوسطى الأميركية “سنتكوم”، الأدميرال براد كوبر، إلى لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأميركي، أكدت واشنطن أن سوريا ما تزال “ساحة أساسية” في الحرب على الإرهاب، وأن استمرار الفوضى الأمنية والأزمات الاقتصادية قد يسمح بعودة نشاط التنظيم، رغم تراجع هجماته بنحو 70 بالمئة منذ عام 2023.
كما شددت الوثيقة على أن الولايات المتحدة تواصل عملياتها العسكرية والتنسيق الأمني داخل سوريا، بالتوازي مع دعم الحكومة السورية الجديدة والشركاء المحليين، بهدف منع عودة “داعش” والحد من النفوذ الإيراني في المنطقة.
أربع أولويات أميركية داخل سوريا
ركزت الوثيقة الأميركية على أربعة ملفات رئيسية ترى واشنطن أنها تحدد مستقبل الاستقرار في سوريا والمنطقة. يتمثل الملف الأول في استمرار خطر تنظيم “داعش”، إذ تعتبر الولايات المتحدة أن التنظيم ما يزال قادرا على استغلال الثغرات الأمنية والتحرك عبر الخلايا النائمة والعمليات المحدودة، رغم خسارته السيطرة الجغرافية الواسعة التي تمتع بها بين عامي 2013 و2015.
أما الملف الثاني، فيتعلق بمراكز احتجاز عناصر التنظيم ومخيمات عائلاته، وعلى رأسها مخيم الهول شمال شرقي سوريا، حيث حذرت واشنطن من تحول هذه المخيمات إلى بيئة تعيد إنتاج التطرف إذا لم تتم معالجة الملف سياسيا وأمنيا واجتماعيا.
وأشارت الوثيقة إلى نقل نحو ستة آلاف مقاتل من “داعش” من سوريا إلى العراق ضمن ترتيبات أمنية تهدف إلى تقليل مخاطر التنظيم داخل الأراضي السورية.
وفي الملف الثالث، أكدت القيادة الوسطى استمرار العمليات العسكرية الأميركية داخل سوريا، بما يشمل تنفيذ ضربات وعمليات خاصة ضد خلايا التنظيم، إلى جانب دعم الشركاء المحليين والتنسيق الأمني مع السلطات السورية.
ويناول المحور الرابع تراجع استخدام إيران للأراضي السورية ممرا لنقل السلاح، بعد تعرض خطوط الإمداد الإيرانية لضربات أميركية وإسرائيلية قلصت، بحسب الوثيقة، قدرة طهران على دعم حلفائها في المنطقة.
بين الأمن والاقتصاد.. كيف تقرأ واشنطن مستقبل سوريا؟
في حديثه عبر برنامج “سوريا اليوم” على شاشة “تلفزيون سوريا”، يرى الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية، عبد الله الحمد، أن تنظيم “داعش” خسر جزءا كبيرا من قدراته العسكرية، لكنه ما يزال قادرا على استغلال الفوضى الأمنية والأزمات الاقتصادية في سوريا والعراق.
ويوضح أن التنظيم تحول خلال السنوات الأخيرة من نموذج “الدولة المسيطرة” إلى نموذج الخلايا النائمة والعمليات المحدودة، مستفيدا من هشاشة بعض المناطق وضعف الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
ويعتبر الحمد أن تصريحات “سنتكوم” تحمل أبعادا سياسية وعسكرية في آن واحد، لأنها تعكس استمرار التنسيق بين واشنطن ودمشق في ملف مكافحة الإرهاب، كما تكشف رغبة أميركية في دعم الحكومة السورية الجديدة أمنيا وتقنيا واقتصاديا.
ويرى الباحث في شؤون الجمعات الإسلامية أن التعافي الاقتصادي بات جزءاً أساسياً من الحرب على التطرف، خصوصاً في المناطق الهشة شمال شرقي سوريا.
من جهته، قال الخبير العسكري والاستراتيجي، هشام المصطفى، إن الولايات المتحدة ما تزال تنظر إلى سوريا باعتبارها “مفتاح استقرار الشرق الأوسط”، حتى مع تقليص وجودها العسكري المباشر في بعض القواعد.
وأوضح الخبير العسكري أن واشنطن تسعى حاليا إلى الحفاظ على حضور أمني واستخباراتي فعال، بالتوازي مع دعم إعادة بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية السورية، ومنع عودة النفوذ الإيراني بالشكل الذي كان قائما قبل سقوط النظام المخلوع.
وتأتي هذه المواقف الأميركية في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات سياسية وأمنية متسارعة، وسط محاولات لإعادة رسم التوازنات الإقليمية ومنع عودة التنظيمات المتطرفة إلى الواجهة من جديد.
