أمل شبيب
لم يعد السؤال عن سلوك دونالد ترامب الغريب أو تصريحاته المتناقضة مجرد مادة للسخرية الإعلامية، بل تحول إلى استفهام وجودي حقيقي: هل يعاني رئيس أكبر قوة في العالم من اضطراب نفسي واضح؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا يُعزل بعد؟ الإجابة ليست طبية فقط، بل سياسية بإمتياز، تعكس أزمة بنيوية في النظام الأميركي نفسه. والأكثر إثارة للدهشة أن هذا الرجل، الذي تظهر عليه علامات الاختلال الواضحة، قاد بلاده إلى حرب مفتوحة مع إيران، ليكتشف العالم أن “الرجل المجنون” ليس فقط غير مؤهل لقيادة دولة، بل إنه يخوض حروباً لا يفهم أبعادها، وينهزم فيها قبل أن تبدأ.
أعراض لا تحصى وسلوك غير مألوف
من هوسه بصفقة أوكرانيا الأولى، إلى إنكاره الهستيري لنتائج انتخابات 2020، وصولاً إلى دعواته العلنية لتعليق الدستور وإعادة النظر في نتائج انتخابات الرئاسة، لا يمكن لأي طبيب نفسي أن يمر على خطاب ترامب دون أن يشخص حالة من “اضطراب الشخصية النرجسية الحاد” تصل أحياناً إلى حدود “الذهان السياسي”. حديثه عن نفسه كمنقذ للعالم، واتهام خصومه بالتآمر ضده من تحت الأرض، ولعبه بورقة العنف الصريح في كابيتول هيل، كلها علامات تخرج عن إطار “الاختلاف السياسي” وتدخل في إطار “الخلل العقلي”. والأخطر من ذلك هو إصراره على تصوير هزيمته في حربه ضد إيران وكأنها “مناوشة بسيطة” أو “مشاجرة صغيرة”، بينما الحقائق على الأرض تقول غير ذلك تماماً.
قرار الحرب على إيران.. المغامرة التي كشفت العورة
لم يكن قرار ترامب بشن حرب على إيران مجرد خطأ استراتيجي، بل كان قرار رجل مختل يظن أن أميركا تستطيع أن تفعل ما تشاء دون حساب. في 28 فبراير 2026، شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل عدواناً على إيران استمر 40 يوماً، معتقدين أنهم سيسحقون إيران في أسابيع. لكن طهران كانت على موعد مع التاريخ. فعندما بدأت الصواريخ الإيرانية تتساقط على القواعد الأميركية، وعندما أغلقت إيران مضيق هرمز بالكامل، وعندما نفذت عملية “الوعد الصادق 4” الموجعة، أدرك العالم أن ترامب قد وضع قدمه في مستنقع لن يخرج منه.
ردّت إيران بقوة لم يتوقعها أحد: استهداف 228 هدفاً أميركياً في 15 قاعدة عسكرية موزعة في البحرين والكويت وقطر، وتدمير منصات ثاد، وإلحاق أضرار جسيمة بقواعد بحرية أميركية كبرى. الجانب الإيراني أكّد أن الولايات المتحدة تكبدت خسائر فادحة، وأن الهيمنة الأميركية في المنطقة بدأت تنهار تحت وطأة الضربات الإيرانية الموجعة. هذا ليس كلام الدعاية الإيرانية، بل تقارير أميركية تتحدث عن 1,550 سفينة عالقة في مضيق هرمز بسبب الحصار الإيراني.
الهزيمة الساحقة.. كيف انهار حلم ترامب؟
ترامب كان يعتقد أن الحرب ستنتهي خلال 4 إلى 6 أسابيع. ماذا حدث بعد أكثر من شهرين؟ إيران لا تزال صامدة، ومضيق هرمز تحت سيطرتها بالكامل، والقوات الأميركية عاجزة عن فتح الممر المائي. ترامب نفسه اضطُر للاعتراف بأنه “يحاور إيران، وأن الحرب ستنتهي قريباً”، لكن تصريحاته المتناقضة تكشف حقيقة ما يجري.
في البداية، هدد بضرب إيران “ضرباً مبرحاً”، ثم عاد ليعلن أن “الأمر مجرد مناوشة”، ثم أرسل مقترح سلام من 14 نقطة عبر وسطاء باكستانيين، محاولاً إيجاد مخرج من المستنقع. رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف سخر من الترامبية المترنحة قائلاً: “عملية (ثق بي يا أخي) فشلت” في إشارة واضحة إلى فشل الضغوط الأميركية.
ما الذي حققه ترامب من حربه؟ تقارير أميركية معترف بها تقول إن الحرب فشلت في تحقيق أي من أهدافها المعلنة: فشلت في تغيير النظام في إيران، فشلت في وقف برنامج إيران النووي، فشلت في إجبار إيران على وقف دعم وكلائها، وفشلت حتى في فتح مضيق هرمز.
إذاً، إيران، رغم الضعف النسبي، أثبتت أن لديها أوراق قوة لا يستهان بها: إغلاق المضيق، استهداف القواعد، والقدرة على تحمل الضغوط.

لماذا لا يُعزل ترامب إذاً؟
هنا تكشف أميركا عن قبحها المؤسساتي، فالرجل الذي خاض حرباً غير قانونية، تجاوز المهلة الدستورية البالغة 60 يوماً دون إذن الكونغرس. وفقاً لقانون صلاحيات الحرب لعام 1973، كان على ترامب إنهاء العمليات العسكرية بعد 60 يوماً من بدئها ما لم يحصل على تفويض من الكونغرس. لكن ماذا فعل ترامب؟ أرسل رسالة إلى الكونغرس يقول فيها إن الحرب “انتهت” و”تم إنهاؤها”، بينما القوات الأميركية تخوض اشتباكات مسلحة يومية مع إيران في مياه الخليج الفارسي!
الكونغرس الأميركي بدأ يتحرك، النائب الديمقراطي راجا كريشنامورثي طلب إحاطة استخباراتية عاجلة، مشيراً إلى أن ترامب “يضلل الكونغرس والشعب الأميركي” حول وضع الحرب. عضو مجلس الشيوخ الجمهوري ليزا موركوفسكي قالت إنها ستقدم قراراً لسحب التفويض بالقوة. لكن الحقيقة المرة: ترامب لن يُعزل. النظام الأميركي كله يعاني خللاً أعمق.
فالجمهوريون في الكونغرس لا يريدون مواجهة رئيسهم رغم اختلاله الواضح، والديمقراطيون يفضلون استغلال الحرب سياسياً بدلاً من التحرك لعزل الرئيس. وهكذا، يظل رجل مختل نفسياً على رأس الهرم، يقود حرباً خاسرة، ويتحدث عن “نصر وهمي” لا يراه أحد سواه.
ماذا بعد الهزيمة في مواجهة إيران؟
المستقبل قاتم بالنسبة لترامب. استطلاعات الرأي تقول إن شعبيته انخفضت إلى 34%، وأسعار البنزين تجاوزت 4 دولارات للغالون، وأسعار النفط ارتفعت بشكل جنوني بسبب إغلاق مضيق هرمز. الأسابيع المقبلة حاسمة: إما أن يقبل ترامب بصفقة مهينة مع إيران، وإما أن يستمر في مغامرته العبثية التي ستدمر سمعته ونفوذ بلاده. ولكن حتى لو قبل ترامب بهدنة الآن، فإن المعادلة الإقليمية تغيرت للأبد. إيران أثبتت أنها القوة التي لا يمكن ترويضها بالحروب. أميركا لم تعد القوة العظمى التي كانت قبل الحرب، ومضيق هرمز أصبح خطاً أحمر إيرانياً لا يمكن انتهاكه. ترامب، بدلاً من أن يكون الرئيس الذي “قضى على إيران”، أصبح الرئيس الذي أظهر عجز أميركا أمام إيران.
ما يمكن قوله ، ترامب مختل نفسياً بكل المقاييس الطبية والسياسية. قاد حرباً عبثية على إيران، وخسرها خسارة فادحة. إيران صامدة، مضيق هرمز تحت سيطرتها، والأسطول الأميركي يعجز عن فتحه. 1,550 سفينة عالقة، 228 هدفاً أميركياً مدمراً، ومئات القتلى والمصابين في صفوف القوات الأميركية، ومع ذلك، لن يُعزل، لأن النظام الأميركي نفسه أصبح مختلاً. وما يمكن قوله ليس فقط لأميركا، بل للعالم أجمع: أنتم تتركون مصيركم بيد رجل مختل نفسياً يقرر الحرب والسلم بناءً على نوبات غضبه وتصريحاته المتضاربة. حربه على إيران خير دليل على أن اختلاله ليس مجرد مرض نفسي، بل كارثة إقليمية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. الاستعداد للأسوأ هو الحل الأمثل…
/إنتهى/
