تعيش مدينة الحسكة السورية حالة من الغليان السياسي والأمني، بعد أن أقدم عناصر يتبعون لما يسمى بـ”منظمة الشبيبة الثورية” على الاعتداء على اللافته التعريفية للقصر العدلي للمرة الرابعة توالياً، في خطوة تأتي لتقوض جهود الحكومة السورية في استعادة المؤسسات السيادية، وتضع اتفاق “9 كانون الثاني” الماضي أمام اختبار حقيقي.
الحادثة الأخيرة التي وقعت يوم الخميس الماضي، لم تقتصر على إنزال اللافته التعريفية فحسب، بل تطورت إلى هجوم مباشر على مبنى القصر العدلي والاعتداء على الموظفين وتمزيق الشعار الوطني للدولة السورية.
المعتدون برروا فعلتهم بـ”الاحتجاج على تغييب اللغة الكردية” عن اللوحة التعريفية، في حين تصر الحكومة السورية على أن اللغة العربية هي “اللغة الرسمية الوحيدة” للمؤسسات وفق الدستور والتشريعات النافذة، مع اعتبار الكردية لغة وطنية محمية ثقافياً.
المشهد الذي أثار غضباً واسعاً، تخلله حضور لافت لقوات “الأسايش” (الأمن الداخلي التابع للإدارة الذاتية) التي لم تتدخل لمنع المهاجمين، مما طرح تساؤلات كبرى حول جدية “قسد” في تنفيذ اتفاقيات الاندماج والسيطرة على أذرعها الأيديولوجية.
تحضيرات حكومية وزيارات رئاسية
يأتي هذا التصعيد في وقت أعلنت فيه مديرية إعلام الحسكة عن زيارة وفد رفيع المستوى للقصر العدلي، ممثلاً بـ”الفريق الرئاسي” (مصطفى عبدي) وقائد الأمن الداخلي في المحافظة (سيامند خليل)، وذلك ضمن التحضيرات النهائية لإعادة افتتاح القصر وتسلمه من قبل الحكومة بشكل رسمي. ويرى مراقبون أن توقيت الاعتداء يهدف لإرسال رسالة سياسية مفادها أن “الشارع” الرافض للاندماج قادر على تعطيل أي تقارب ميداني.
ملف القضاء والاندماج
خلف ستار “اللافته واللغة”، تبرز خلافات جوهرية بين الحكومة السورية و”الإدارة الذاتية” حول ملف القضاء:
رؤية الحكومة: تطالب بتسليم كامل للمؤسسات القضائية وإدماج القضاة ضمن ملاك وزارة العدل بدمشق حصراً وفق معايير الكفاءة والقانون السوري.
شروط الإدارة الذاتية: تصر على الاحتفاظ بكوادرها القانونية، واشترطت أن تتم آلية الدمج بنسب محددة تصل إلى 50% من إجمالي عدد القضاة، وهو ما ترفضه دمشق باعتباره مساساً بسيادة القضاء.
“الشبيبة الثورية” والتحرك خارج الصندوق
في قراءة لهذه التطورات، يرى الكاتب والمحلل السياسي “علي تمي” خلال مشاركته في برنامج سوريا اليوم أن ما تسمى “الشبيبة الثورية” هي منظومة تتحرك “خارج الصندوق” وتتلقى أوامرها مباشرة من حزب العمال الكردستاني (PKK)، معتبراً أن قيادات “قسد” أنفسهم قد يكونون خاضعين لإملاءات هذه المنظومة. ووصف تمي ما يحدث بأنه “مسلسل طويل من الانتهاكات” بدأ منذ عام 2013، محذراً من أن الاتفاقيات الحالية قد تكون مجرد “تخدير” لحرب مؤجلة لا مفر منها إذا لم يتم حسم تبعية هذه الفصائل.
على المقلب الآخر، يرى الصحفي “شروان إبراهيم” أن المشكلة أعمق من لافتة، متهماً طرفي الاتفاق (الحكومة وقسد) بعدم الصراحة مع قواعدهما الشعبية. ويشير إبراهيم إلى وجود “تيارات” داخل قسد ترفض الاندماج، كما أن الحكومة تروج لانتصارات إعلامية (مثل تسلم المعابر) بينما الواقع الميداني يشير إلى سيطرة فعلية لقسد على مناطق واسعة مثل تل حميس والشدادي، مما يجعل السيادة الحكومية “شكلية” في كثير من الأحيان.
السيناريوهات القادمة: تريندات أم اقتتال؟
بينما يرى البعض أن حادثة القصر العدلي مجرد “تريند إعلامي” يهدف لإشغال الرأي العام عن قضايا المعتقلين وأسعار المحروقات، يخشى آخرون من انزلاق المنطقة نحو صراع “كردي – كردي” أو “كردي – عربي”، وهو ما يستبعده المحللون نظراً لوعي الشعب السوري، لكنهم يحذرون من أن “اللعب بالنار” في القضايا السيادية قد يفجر الموقف.
ومع اقتراب استحقاقات سياسية مثل انتخابات مجلس الشعب، يظل السؤال قائماً: هل ستتمكن قيادات “قسد” من لجم “الشبيبة الثورية” وتسليم المقر يوم الجمعة المقبل؟ أم أننا أمام جولة جديدة من “حرب اليافطات” التي تخفي خلفها صراعاً مريراً على السلطة والسلاح والاعتراف الدستوري؟
الشبيبة الثورية.. تجنيد للقصر وانتهاكات
منظمة “هيومن رايتس ووتش” تحذيراتها من استمرار ظاهرة تجنيد الأطفال في شمال شرقي سوريا عبر “حركة الشبيبة الثورية”، مؤكدة أن هذه المجموعة المرتبطة بسلطات الأمر الواقع (قسد) تقتلع القاصرين من مقاعد الدراسة وتزج بهم في أتون الصراعات المسلحة.
كشفت المنظمة في تقريرها الصادر اليوم الجمعة، أن “الشبيبة الثورية” تستهدف أطفالاً لا تتجاوز أعمارهم 12 عاماً، حيث يتم إخضاعهم لعمليات “تلقين أيديولوجي” قسري، مع حرمان ذويهم من أي وسيلة اتصال بهم. وأشار التقرير إلى أن “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) توفر الحماية لهذه الجماعات وتتستر على حملات التجنيد وقمع الأهالي الرافضين لاختطاف أبنائهم.
انتهاكات حقوق الإنسان
على الرغم من أن “الشبيبة الثورية” لا تُصنف كمجموعة مسلحة بحد ذاتها، إلا أن التقارير أكد انخراطها العميق في الهياكل العسكرية والسياسية لـ “الإدارة الذاتية”. ويُعرف التنظيم بصلته المباشرة بـ “حزب العمال الكردستاني”.
وحذر تقرير لـمنظمة هيومن رايتس ووتش العام المضي من استمرار ظاهرة تجنيد الأطفال في شمال شرقي سوريا عبر “حركة الشبيبة الثورية”، مؤكدة أنها تقتلع القاصرين من مقاعد الدراسة وتزج بهم في أتون الصراعات المسلحة.
وكشفت المنظمة في تقريرها، أن “الشبيبة الثورية” تستهدف أطفالاً لا تتجاوز أعمارهم 12 عاماً، حيث يتم إخضاعهم لعمليات “تلقين أيديولوجي” قسري، مع حرمان ذويهم من أي وسيلة اتصال بهم.
على الرغم من أن “الشبيبة الثورية” لا تُصنف كمجموعة مسلحة بحد ذاتها، إلا أن التقرير أكد انخراطها العميق في الهياكل العسكرية والسياسية لـ “الإدارة الذاتية”. ويُعرف التنظيم بصلته المباشرة بـ “حزب العمال الكردستاني”، وتورطه في انتهاكات واسعة تشمل:
- إدارة معسكرات تدريب عسكرية وأيديولوجية للقاصرين.
- قمع المتظاهرين والناشطين المناهضين “للإدارة الذاتية”.
- الاعتداء المتكرر على مكاتب وأعضاء “المجلس الوطني الكردي”.
ما هو تنظيم “الشبيبة الثورية”؟
“الشبيبة الثورية” أو ما يعرف كردياً بـ “جوانن شورشكر- Ciwanên Şoreşger”، هي مجموعة تتألف من شبان وشابات – معظمهم قاصرون – لا يتبعون فعلياً لأي من مؤسسات “الإدارة الذاتية”، ويُقادون من قبل كوادر (قادة عسكريين) ينتمون إلى “حزب العمال الكردستاني – PKK”.
وتُتهم “الشبيبة الثورية” بالوقوف خلف عمليات تجنيد الأطفال والقاصرين وحرق مقار الأحزاب المعارضة لـ “الإدارة الذاتية” إلى جانب تهديد وخطف الناشطين السياسيين.
