في تحول استراتيجي أعاد رسم خارطة المال والأعمال على مستوى العالم، لم تعد دولة الإمارات العربية المتحدة مجرد لاعب اقتصادي، بل تحولت إلى عاصمة رقمية أولى ومركز ثقل لا ينافَس للاقتصاد الجديد.
ولم يكن هذا الصعود الاستثنائي وليد الصدفة، بل جاء ثمرةَ تخطيط هيكلي طويل الأمد قاد الدولة لتستحوذ اليوم على حصة سوقية ضخمة تتجاوز 12% من إجمالي معاملات الأصول المشفرة عالمياً، مدعومةً ببيئة أعمال حاضنة لأكثر من 1800 شركة متخصصة، ورؤية طموحة ترصد 35 مليار دولار لاستثمارات المستقبل التكنولوجية بحلول عام 2030.
وتظهر البيانات الرسمية أن التدفقات المالية الرقمية الواردة إلى دبي وأبوظبي سجّلت قفزات نمو سنوية بمعدل قياسي فاق 48%، بالتزامن مع الارتفاع المتسارع في أعداد الشركات المسجّلة والمصرَّح لها بالعمل في دولة الإمارات.
وبحسب البيانات الرسمية، فإن قطاع الأعمال في الإمارات يحتضن اليوم أكثر من 1800 شركة ومؤسسة متخصصة في الأصول الافتراضية والابتكار المالي والتكنولوجيا العميقة.
ويجسّد هذا المشهد الاستثماري المتكامل قدرةَ الدولة على جذب رؤوس الأموال الأجنبية، إذ استقطبت المشروعات الناشئة في هذا القطاع الحيوي تمويلاتٍ واستثماراتٍ خارجية مباشرة تجاوزت قيمتها 8.5 مليار دولار، وهو ما يعكس مدى جاذبية الإمارات لثروات الجيل الجديد من المستثمرين والمبتكرين على مستوى العالم.
تشريعات تاريخية
ويرى خبراء التمويل أن هذا التحول الاستثنائي يعود بالدرجة الأولى إلى السبق التشريعي التاريخي الذي حقّقته إمارتا أبوظبي ودبي عبر تأسيس “سلطة تنظيم الأصول الافتراضية” (VARA) وسوق أبوظبي العالمي، وهما أول جهتين تنظيميتين مستقلتين ومتخصصتين في هذا القطاع على مستوى العالم.
وأكدوا أن هذا الابتكار القانوني الفريد نجح في ملء الفراغ التنظيمي الذي تعاني منه كبريات العواصم المالية العالمية، ووفّر للمؤسسات وصناديق الاستثمار الدولية بيئةً تشريعية واضحة المعالم وصمامَ أمان حقيقياً يحمي الاستثمارات من التقلبات الحادة، مع الحفاظ على أعلى معايير الامتثال لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب.
وأشار الخبراء إلى أن هذا التوازن الذكي بين الرقابة الصارمة وتحفيز الابتكار هو السر الكامن وراء هجرة العقول والشركات الكبرى من أسواق تقليدية مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي باتجاه دبي، حيث تبحث الشركات عن اليقين القانوني والبيئة الحاضنة للنمو المستدام.
ويمتد التأثير الاقتصادي لهذا التحول الرقمي الشامل ليشمل الهيكلَ الوظيفي والديموغرافي لدولة الإمارات، إذ تشير بيانات الموارد البشرية والتوظيف إلى أن قطاع الأصول الافتراضية والتكنولوجيا المالية أسهم في خلق أكثر من 65 ألف وظيفة تخصصية في السوق المحلي.
كما جذبت هذه الوظائف ما يقارب 62% من أفضل الكفاءات والمطورين والرواد التكنولوجيين من مختلف القارات، الذين نقلوا مراكز عملياتهم الإقليمية والدولية إلى الدولة للاستفادة من التسهيلات الرقمية المتقدمة ومنظومة الإقامة الذهبية والإعفاءات الضريبية الذكية التي تمنح المستثمرين والشركات ميزةً تنافسية لا تُضاهى.
صياغة المعايير العالمية
ويرى الخبير المالي عطا مفارجة أن هذا التجمع الهائل للعقول والمبتكرين أدى إلى تحويل المشهد الاقتصادي الإماراتي من مجرد مستهلك أو ناقل للتقنية إلى المحرّك الأساسي والمركز الرئيسي الذي يقود صياغة المعايير العالمية الحاكمة لمستقبل التمويل والخدمات المصرفية الرقمية، متفوقاً بجدارة على مراكز مالية عريقة في آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية.
وقال في تصريح خاص لـ24، إن دولة الإمارات لم تكتفِ بتوفير البيئة التشريعية، بل دمجت الأصول الافتراضية في صلب اقتصادها الحقيقي وخدماتها الحكومية اليومية عبر استراتيجية دبي للميتافيرس والاقتصاد الرقمي، التي تهدف إلى مضاعفة مساهمة هذا القطاع في الناتج المحلي الإجمالي لتصل إلى 4 مليارات دولار بحلول السنوات القليلة المقبلة.
وأكد أن هذا التوجه يأتي مدعوماً بالبنية التحتية اللوجستية المتطورة ومناطق التجارة الحرة المتخصصة، مثل سوق أبوظبي العالمي وسلطة مركز دبي المالي العالمي وسلطة مركز دبي السلعي المتعدد، والتي توفر منصاتٍ متكاملة وحواضنَ أعمال متطورة تتيح للشركات الناشئة الوصولَ السريع إلى أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب آسيا، وهو ما يمثّل سوقاً استهلاكية ضخمة تضم أكثر من ملياري نسمة، مما يمنح الشركات نفوذاً جغرافياً واقتصادياً غير محدود يتجاوز النطاق المحلي والإقليمي نحو آفاق العالمية الشاملة.
مركز قيادة الاقتصاد العالمي الجديد
وفي سياق القراءة الاستشرافية لمستقبل هذا القطاع، تجمع المؤسسات المالية الدولية كصندوق النقد الدولي والمنتدى الاقتصادي العالمي على أن الخطوات الاستباقية للإمارات وضعتها في مركز قيادة الاقتصاد العالمي الجديد، خاصةً مع التحول التدريجي للنظام المالي العالمي نحو الرقمنة واللامركزية وتزايد اعتماد البنوك المركزية على العملات الرقمية.
وكان المنتدى الاقتصادي العالمي قد أكد في وقت سابق أن تبنّي الإمارات منهجيةَ التطوير المستمر لبيئتها التكنولوجية والتنظيمية سيضمن لها الحفاظ على هذه الصدارة لعقود قادمة، وستبقى المنارةَ الرقمية والوجهةَ الأولى لكل من يسعى إلى المشاركة في صياغة ملامح الثورة الصناعية الرابعة واقتصاد المستقبل.
وفي ضوء المعطيات السابقة، فإن دولة الإمارات استكملت صياغة فصل جديد من فصول تفوّقها؛ إذ لم تعد مجرد حلقة وصل بين الشرق والغرب، بل أصبحت المنصةَ التي ينطلق منها قطار الاقتصاد العالمي الجديد نحو آفاقه اللامركزية الكاملة، ليبقى الاستثمار في عاصمتها الرقمية الرهانَ الأكثر أماناً والأعلى عائداً في مشهد مالي عالمي دائم التغير والتبدل.

