تشهد مدينة بصرى الشام بريف درعا الشرقي، حركة سياحية نشطة وإقبالاً متزايداً من الزوار، في مشهد يعكس المكانة التاريخية والثقافية التي تتمتع بها المدينة، باعتبارها واحدة من أبرز المدن الأثرية في المنطقة وأكثرها غنى بالمعالم الحضارية العريقة.
ومنذ سقوط النظام المخلوع، استقبلت المدينة الأثرية آلاف السياح والزوار من جنسيات أوروبية وأميركية وآسيوية، إضافة إلى وفود قادمة من مختلف المحافظات السورية، حيث حرص العديد منهم على زيارة المعالم الأثرية والتاريخية التي تشتهر بها المدينة ومنها القلعة، المدرج الروماني، دير الراهب بحيرى، وسرير بنت الملك، بالتزامن مع عودة الرحلات المدرسية والثقافية التي أعادت الحيوية إلى تلك المواقع.
انتعاش السياحة في بصرى الشام
قال مدير السياحة في درعا جهاد القويدر لموقع تلفزيون سوريا إن الحركة السياحية في مدينة بصرى جيدة جداً مقارنة مع الظروف التي كانت تعيشها المحافظة خلال سنوات الثورة السورية، وضعف الإقبال في السياحة الخارجية باتجاه سوريا.
ويعود ذلك الإقبال بشكل رئيسي إلى القيمة التاريخية والحضارية لقلعة بصرى الشام والمنطقة الأثرية بشكل عام، كونها واحدة من المواقع الأثرية على مستوى العالم التي تمثل عدة حضارات في أبنية فنية تم الحفاظ عليه حتى اليوم، وبالتالي هي مقصد لجميع السياح سواء العرب أو الأجانب عند زيارتهم لسوريا.
من جانبه قال رئيس مجلس مدينة بصرى الشام، عبد الله المقداد، لموقع تلفزيون سوريا، إن الحركة السياحية في المدينة عاد إليها النشاط بعد توقف استمر لسنوات طويلة، ما يعكس تحسن الأوضاع الأمنية وعودة الأمن والأمان والاستقرار في المنطقة، الأمر الذي شجّع الزوار على العودة وأسهم في تنشيط وإحياء المعالم السياحية من جديد.
تحضيرات خدمية لتحسين تجربة الزوار
وأوضح المقداد أنهم يعملون على تأهيل المرافق الخدمية والبنية التحتية لاستقبال الزوار، مشيراً إلى وجود خطط لتعزيز الاستثمار في القطاع السياحي وتحسين الخدمات المقدمة، بما يسهم في استعادة مكانة بصرى الشام كوجهة سياحية مهمة في الجنوب السوري.
وأضاف أن مجلس المدينة بدأ بالتحضير للموسم السياحي من خلال جملة من الإجراءات تمثلت في تكثيف حملات النظافة في محيط القلعة الأثرية والحدائق وتجهيز البحرات والنوافير والبدء بترميم الحدائق المحيطة بالمواقع الأثرية، وتأمين بيئة مريحة للزوار تمثلت بمنع دخول الدراجات النارية للمواقع السياحية والحدائق وتأمين إنارة كافية في محيط المناطق السياحية.
كما تم إطلاق حزمة من الاستثمارات في المواقع السياحية شملت المقصف السياحي وكافيتيريا حديقة تراجانا، وحديقة بركة الحاج لتأمين مرافق خدمية ومطاعم ذات جودة عالية للضيوف.
وأشار إلى سعيهم بالتعاون مع مديرية السياحة من أجل إعادة تفعيل مكتب الاستعلامات السياحي لما له من دور في تعزيز تجربة الزائر، وتوجيه السياح لزيارة المدينة، والعمل على رفع سوية الخدمات السياحية من خلال توجيه المنظمات الدولية لتطوير وترميم وإعادة الحياة للمدينة القديمة من خلال تقديم قروض ميسرة لترميم البيوت الأثرية وإعادة أهلها إليها.
خطط لتطوير القطاع السياحي
من جانبه كشف مدير السياحة في درعا عن وجود عدة دراسات وخطط تهدف إلى تعزيز القطاع السياحي في مدينة بصرى الشام، أبرزها إعداد دراسة لترميم فندق بصرى الشام الواقع على مقربة من القلعة الأثرية، مشيراً إلى وجود مقترحات قيد الإعداد، إلى جانب مفاوضات جارية مع عدد من المستثمرين بهدف تنفيذ المشروع وإعادة الفندق إلى الخدمة.
وأضاف أن العمل جارٍ أيضاً على إطلاق فعاليات جديدة واستحداث مسارات سياحية مكمّلة للمواقع الأثرية، تُعنى بإحياء العادات والتقاليد والتراث الحوراني، منها مشروع إنشاء سوق شعبي تراثي، وبحسب القويدر، يجري تجهيز ملف كامل لإعادة تفعيل مهرجان بصرى الشام، وهو ما يتطلب جهداً كبيراً من الناحيتين التنظيمية والخدمية، نظراً لأهمية المهرجان ومكانته الثقافية والفنية.
ولفت أن وزارة السياحة ومديريتها في درعا تعمل على الترويج لمدينة بصرى الشام عبر إعداد فيديوهات وصور توثّق المعالم الأثرية والسياحية فيها، تمهيداً لاستخدامها في معارض سياحية دولية ستشارك بها الوزارة خلال الفترة المقبلة، إلى جانب التعاون مع شركات تسويق وإعلان في عدد من الدول العربية والأوروبية، بهدف جذب مزيد من السياح والتعريف بالمدينة كوجهة تاريخية وأثرية بارزة.
وفيما يتعلق بالريف الغربي من محافظة درعا، والذي شهد خلال الفترة الأخيرة إقبالاً متزايداً من الزوار، ولا سيما منطقتي وادي جلين وسد الوحدة، بعد أن كان الوصول إليها غير متاح خلال عهد النظام المخلوع، أكد القويدر أن العمل جارٍ للبحث عن مستثمرين بهدف تنفيذ ثلاثة مشاريع سياحية في المنطقة، نظراً لما تتمتع به من طبيعة خلابة وتضاريس متنوعة تجعلها من أبرز المناطق الطبيعية الجاذبة للسياحة على مستوى سوريا.
تحديات كبيرة
على الرغم من الحركة السياحية المتزايدة التي تشهدها مدينة بصرى الشام، إلا أن عدداً من السياح أبدوا استياءهم من ضعف الخدمات الأساسية داخل المدينة الأثرية، معتبرين أن البنية الخدمية الحالية لا تزال غير قادرة على مواكبة الأعداد المتزايدة من الوافدين، خاصة خلال أيام العطل والمناسبات.
وأشار عدد من الزوار إلى أن قلة الحمّامات العامة تُعد من أبرز المشكلات التي تواجههم أثناء التجول في المواقع الأثرية، الأمر الذي يدفع بعض العائلات إلى تقليص مدة زيارتها.
كما لفت آخرون إلى غياب الحدائق والمتنزهات المجهزة لاستقبال العائلات والأطفال، إضافة إلى محدودية عدد المطاعم وأماكن الاستراحة والخدمات السياحية، مؤكدين أن المدينة تمتلك مقومات سياحية كبيرة لكنها تحتاج إلى مزيد من الاهتمام والتطوير الخدمي بما ينسجم مع مكانتها التاريخية والإقبال المتزايد عليها.
ورداً على ذلك، أرجع رئيس مجلس مدينة بصرى الشام، عبد الله المقداد، أسباب نقص الخدمات إلى الظروف التي مرت بها المدينة خلال سنوات الحرب، وما خلّفته من دمار واسع طال المرافق السياحية والخدمية، مؤكداً أن النهوض بواقع الخدمات وإعادتها إلى ما كانت عليه يحتاج إلى مزيد من الوقت والإمكانيات.
وأضاف أن المدينة تعاني أيضاً من نقص في الكوادر البشرية، ولاسيما عمال النظافة والزراعة، الأمر الذي يفرض ضغطاً كبيراً على ورشات مجلس المدينة في ظل حجم الأعمال المطلوبة وقلة عدد العاملين المتاحين، فضلاً عن ضعف التمويل المخصص لأعمال ترميم الحدائق والمناطق الأثرية وتأهيلها وتجهيزها بالشكل المناسب.
وبين الجهود المبذولة من الجهات المعنية في المحافظة لإطلاق مشاريع تطويرية وترويجية، والاحتياجات الخدمية الملحة التي يطالب بها الزوار، تبقى الحاجة قائمة إلى مزيد من الاستثمار والدعم لإعادة إحياء المدينة بما ينسجم مع قيمتها التاريخية والحضارية، ويعزز قدرتها على استقبال أعداد أكبر من السياح في المستقبل.




