يطوي الشعب الفلسطيني 78 عاماً من نكبته، مع انحسار مخيف لموجة تضميد جراحه، كما أن الأفكار السياسية والأيديولوجيات المرتبطة بها تتراجع عربياً، مع استمرار دوران بلدوزر العدوان والتطبيع بكل الاتجاهات، ودخوله إلى أعتاب مرحلة جديدة أبرز بنودها: تجاوز الظاهرة الاستعمارية للمشروع الصهيوني في فلسطين والمنطقة العربية، والخضوع له، بالتحلل من القضية الفلسطينية، وترك مصير المنطقة تحت سطوته وجبروته، والتعامل مع القضية الفلسطينية كَثقلٍ أنهك كاهل السياسة العربية، وآن أوان التحرر منها، برمي أعباء هذا التبدل على كاهل ضحايا النكبة والعدوان والاحتلال.
يتصاعد خطاب عربي رسمي يلوم الشعب الفلسطيني على عدم خضوعه، وتأخره في الانضمام إلى حالة عربية رسمية فرضتها إسرائيل عليه، ونكاية بالقضية يدفع بعضهم بخطاب الإعجاب بإسرائيل والدفاع عنها بصواريخ ومنظومة أمنية عربية، ترافقها حالةٌ من مقت شعبوي عربي غاضب من المنكوبين ومن قضيتهم؛ حالة يرفعها أكداس من السفلة، وأنصاف المتعلمين والإعلاميين، بمواسم مبذولة من المعارك الكلامية، بعيداً عن حس النقد والمسؤولية والمساءلة، بل بعيداً عن أبسط المعايير الأخلاقية، لرسم القسوة والفظاظة لمستقبل منطقة كما يريدها أصحاب شعار “إسرائيل الكبرى”، لا كما يراها ويريدها أصحاب الأرض والتاريخ والحضارة.
ليس من الصعوبة تحديد الوقع الذي تركه الرهان العربي الرسمي في رعاية النكبة الفلسطينية، وانحياز بعضه بالمطلق إلى خندق التحالف مع المشروع الاستعماري الصهيوني، والانسحاق مع عقائده التي تلازم خطاباً تُستمد منه صورة متبادلة عن الخطاب الإسرائيلي، في نعت المنكوبين كغرباء عن أرضهم وأرض عروبتهم، وتحميلهم كل أسباب فشل أنظمتهم، واستحضار الخرافة الصهيونية بإعجاب عجيب بفاشية قادرة على ارتكاب جرائم الإبادة الجماعية، وتقديم مواصفات مماثلة لرواية صهيونية تلوم الضحية على عدم استسلامها لهذه الخرافة، وعدم الإقدام على الانتحار الكامل أمام جلادها.
من راهن على الزمن الإسرائيلي بأن يكون كفيلاً بطيّ صفحة النكبة ودوام الاحتلال والعدوان، وجد نفسه رهينة الغطرسة وفرض السطوة الصهيونية عليه.
رهان خاسر على الزمن الإسرائيلي
الأيام التي تندرج في رزنامة زمن عربي رديء، والتي تسبق وتلي الخامس عشر من أيار منذ العام 1948، تمنحها بعداً مأساوياً في زماننا، فمن السخف والبذاءة بمكان ربط مشكلات وأعباء النظام العربي بالفلسطيني وبفلسطين، ومن العبث المرذول أن تضيف الأيام نعوتاً عربية متتالية للضحية انتصاراً لجلادها، لزعزعة إيمان شعوب عربية بعدالة قضية، فالجرح الذي أصاب الوعي العربي قبل ثمانية عقود ينكأه واقع العدوان المستمر، وما تمخض عنه في غزة والضفة والقدس وجنوبي لبنان وسوريا، بجرائم تعيد ما سُجل في أرشيف النكبة قبل ثمانية عقود، من تزوير للمعاناة الفلسطينية وتشويه الحق الفلسطيني، وصولاً إلى عبادة المصالح الصهيونية، وتجريم حتى التعاطف مع ضحايا الهمجية الصهيونية.
فذاك لم يكن مألوفاً في صحف وإعلام عربي، والمسافة بين النكبة عام 1948 وجرائم اليوم المتسعة مسافة كبيرة، وهي لا تُقاس بمقاسات الزمن، وإنما بمقاسات القيم والحقوق، واختلاف الموقع والأدوار.
فمن راهن على الزمن الإسرائيلي بأن يكون كفيلاً بطيّ صفحة النكبة ودوام الاحتلال والعدوان، وجد نفسه رهينة الغطرسة وفرض السطوة الصهيونية عليه. ذلك يعيد، من دون مشقة، تعريف جوهر المشروع الصهيوني، وتثبيت مكانته في الوعي العربي كقاعدة للتوسع بالإرهاب والسيطرة بالقوة على المنطقة العربية، وبمفهوم فرضته إسرائيل وأمريكا، منذ كامب ديفيد، إلى أوسلو ووادي عربة قبل عقود، إلى استنساخه بالاتفاقات “الإبراهيمية” على البقية العربية المهرولة نحوها، والمترنحة تحت ضربات الإرهاب والمذابح الإسرائيلية المتكاثرة من غزة إلى جنوبي لبنان وسوريا والعراق، والتي غدت فعلاً يومياً مألوفاً ضد شعوب المنطقة، كي تعطي دفعاً إضافياً لما يسمى عملية “السلام”، بحسب أقاويل الأميركي والإسرائيلي، والتي أصبحت أعزوفة ممجوجة لا يصدقها إلا من استطاب ذل الاستسلام.
انجذاب نحو الهزيمة
يتطور هذا الاعتقاد برداءةٍ أعلى مما كانت عليه أحوال السياسة العربية عام 48، مع فارق شديد من البؤس والهوان، في فهم حيثيات التعاطي العربي مع جريمة النكبة، ومقارنتها بالتعامل مع جرائم إسرائيل المتواصلة على فلسطين ولبنان وسوريا، وافتضاح الأطماع الصهيونية في المنطقة، وتفكيك شيفرة التآمر معها؛ بما يشرح أي خذلان لحق، ويلحق بالقضية الفلسطينية، مع تنامي أيديولوجيا الهزيمة والتطبيع، واتخاذها فضائل بديلة في إعادة رص الرثّ الأمني والسياسي والثقافي والمعرفي، لأنظمة تحاول أن تشرح لشعوبها ضرورات الانسلاخ عن القضية الفلسطينية، وتجريم كل مقاومة للاحتلال، لتبني جسر عبور مجتمعاتها نحو عصر رغيد من “السلام”، بهروب مستمر من تحقيق مواطنة وحرية وديمقراطية وعدالة في مجتمعات تترنح هي الأخرى تحت الاستبداد والقمع، ووحشية المحتل لسحق الوعي العربي.
ثمة إغراء عربي رسمي منجذب نحو التقعر والانهزام أمام قضية فلسطين، وأمام جرائم إسرائيل، ومرآة النكبة التي عكست عجزاً عربياً جماعياً، يُشهر في وجه الشارع الفلسطيني والعربي، تارةً برفع منسوب العنصرية ضدهم بخطاب التعميم المزور لمعاناتهم، وشيطنة نضالهم، لتلطيف إرهاب عدوهم ضدهم، وأخرى بتشديد حصار المنكوبين والضغط عليهم، للبقاء في منأى عن كل تبعات النكبة الأخلاقية والوطنية والسياسية والاجتماعية والتاريخية. اصطدم ذلك بأسوأ الاحتمالات قاطبة، من خلال مواجهة سلوك أحفاد عصابات المؤسسين لجريمة النكبة، وهم يحفظون عن ظهر قلب تعاليم إبادة “الأغيار” في أسفار التلمود والتوراة، ويطبقونها فوق أجساد وجغرافيا وسماء عربية.
ذكرى النكبة لم تعد شأناً فلسطينياً وعربياً، بل أضحت مناسبة في شوارع غير عربية، للتذكير بعدالة قضية وبكرامة إنسانية مهدورة لأصحاب الأرض والتاريخ والجغرافيا.
فقدان نزعة الانفعال
ظلت أسئلة النكبة الأولى مدوية منذ 78 عاماً وحتى يومنا: من يحميها ويقوم على رعايتها؟ هل هو فقط التآمر الغربي الأميركي معها، أم عملقة دور اللوبي الصهيوني وتغلغله في دوائر صنع القرار؟ أجوبة تصطدم بعقل عربي رسمي يعتريه التحجر، ويجعله قابلاً لتلقي صدمات جرائم الإبادة، كما قبل قرن من الآن، ليهضم المهانة والذل والهوان برحابة صدر، فتختفي اليوم حتى فورة التصعيد اللفظي ضد المستعمر الصهيوني، وتذوب نزعة الانفعال من مشاهد نسف مدن وقرى عربية، والقتل والتهجير الجماعي والحطام والحصار والتهويد واقتحامات الأقصى، وقوانين الفصل العنصري، ودعوات إقامة “إسرائيل الكبرى”. هناك خلل حضاري وأخلاقي وإنساني تعاني منه السياسة العربية، وهو الذي بنى سياجاً حول النكبة، جرى اختراقه بالاتجاه المعاكس لفلسطين، بتحالف مع مجرمي حرب وإبادة جماعية.
ذكرى النكبة لم تعد شأناً فلسطينياً وعربياً، بل أضحت مناسبة في شوارع غير عربية، للتذكير بعدالة قضية وبكرامة إنسانية مهدورة لأصحاب الأرض والتاريخ والجغرافيا. وعليه، تصبح الحاجة الأزلية الضرورية لتركيز القوى والطاقات، من دون تبذير الجهود وإضاعة الفرص، للإمساك بمفردات الحق والعدالة والمواطنة والحرية والديمقراطية، كقوانين بمقدورها حسم الصراع، وبدائل عن قوانين التصهين والتطبيع والتزوير والتقاعس والتآمر، التي فرضتها مساوئ وموبقات وفساد وهشاشة وركاكة أنظمة وسياسات عربية وفّرت، في الماضي، حماية للنكبة، وتوفر مظلة لجرائم تمتهن العقل والضمير الإنساني الذي يأبى حماية الجريمة.
شارك هذا المقال
