تطرح دمشق في ربيع هذا العام فكرة الممر السوري الآمن كمدخل اقتصادي سريع لإعادة وصل البلاد بشبكات التجارة والطاقة والنقل، في وقت تضغط فيه كلفة الإعمار على مالية عامة محدودة، وتعمل الصناعة السورية بطاقة متراجعة، في حين يبقى قطاع النفط بعيداً عن مستوياته السابقة رغم محاولات إعادة تشغيل بعض الحقول.
ويمنح هذا الواقع الموقع الجغرافي وزنًا إضافيًا في الحسابات الرسمية، خصوصًا مع تحرك تركيا والأردن والسعودية نحو مشاريع ربط بري وسككي تمر عبر سوريا، ومع اهتمام أوروبي بإدخال البلاد في ترتيبات أوسع للنقل والطاقة والروابط الرقمية، ويأتي هذا المسار وسط اضطراب متزايد في الممرات البحرية، من البحر الأحمر إلى مناطق الاختناق التجارية الأوسع، مع ترجيحات ببقاء كلفة الشحن والمخاطر الأمنية عاملاً ضاغطاً خلال الفترة المقبلة، ما يجعل الطرق البرية أكثر حضوراً في حسابات الدول الباحثة عن مسارات أقل تعرضاً للتعطيل.
الممر السوري يدخل دائرة المصالح
وانتقلت فكرة العبور السوري خلال الأسابيع الأخيرة إلى مستوى الاتفاقات الفنية بعد توقيع تركيا وسوريا والأردن في عمّان مذكرة تعاون في النقل تستهدف تحديث الربط البري والسككي وفتح مسار يصل جنوبي أوروبا بالخليج عبر سوريا والأردن، ثم وسعت السعودية الإطار الإقليمي للمشروع مع إعلان وزير النقل صالح الجاسر أن الدراسات الخاصة بخط سككي يربط المملكة بتركيا مروراً بالأردن وسوريا ستكتمل خلال العام.
ويمنح هذا التسلسل دمشق ورقة اقتصادية قابلة للتوظيف السريع، لأن المشروع يضع الأراضي السورية داخل خريطة نقل مطلوبة في مرحلة تبحث فيها المنطقة عن مسارات برية أقل تعرضاً للتعطيل، خصوصاً مع استمرار اضطراب البحر الأحمر وارتفاع حساسية سلاسل الشحن والتأمين، كما يفتح أمام الخزينة موارد من رسوم المرور وخدمات التخزين والنقل والصيانة والتشغيل، وهي موارد تستطيع منح الاقتصاد تدفقاً أولياً قبل اكتمال أي استعادة فعلية للقاعدة الإنتاجية.
في حين يدخل الاتحاد الأوروبي إلى المسار من زاوية أوسع تتصل بالتجارة والطاقة والروابط الرقمية وإدارة الملفات الأمنية والحدودية، فقد كشفت “رويترز” في وقت سابق عن وثيقة أوروبية تدعو إلى ترميم العلاقات مع دمشق وتعزيز التعاون التجاري والأمني وإدماج سوريا في مشاريع الربط الإقليمي، وبينها ممر الهند والشرق الأوسط وأوروبا.
ثم اقترحت المفوضية الأوروبية استئناف اتفاق التعاون الأوروبي السوري لعام 1978 قبل محادثات مقررة مع الجانب السوري في مرحلة قريبة لاحقة، ويعطي هذا التحرك الموقع السوري قيمة تفاوضية إضافية، لأن بروكسل تنظر إلى البلاد كحلقة محتملة في شبكة إقليمية أكبر، في حين تسعى دمشق عبر هذا المسار إلى فتح قنوات تمويل واستثمار وتشغيل، ويمنحها مساحة حركة أوسع قبل نضوج تعافٍ داخلي قادر على الوقوف بذاته.
الممر كأداة تشغيل
يقول الخبير الاقتصادي دان قزي، خلال حديثه لموقع تلفزيون سوريا، إن قيمة الأراضي السورية في مشاريع الربط الإقليمي تأتي من قدرتها على جمع النقل والتخزين والجمارك والخدمات الفنية في سلسلة واحدة قابلة للتسعير والرقابة، لذلك يحتاج أي ممر عابر إلى هندسة اقتصادية واضحة تحدد تعرفة المرور، وطريقة الجباية، ونسب التشغيل المحلي، وحصة الشركات السورية من الخدمات المرافقة، لأن العائد الحقيقي يتكون حول الطريق عبر الصيانة والتأمين والتوضيب وإعادة التصدير.
ويضيف قزي أن تحويل العبور إلى دخل مستقر يتطلب قواعد تمنع تركيز الأرباح في يد الوسطاء الكبار ومشغلي المعابر والمناطق اللوجستية، فالمعيار الاقتصادي الأهم يظهر في قدرة المشروع على خفض كلفة النقل أمام المنتج السوري، وربط الزراعة والصناعة الخفيفة بأسواق جديدة، وتوجيه جزء من الرسوم إلى الكهرباء والطرق الفرعية ومراكز التخزين، عندها يصبح الممر أداة تشغيل داخلية، ويكتسب معنى اقتصادياً يتجاوز خدمة التجارة الإقليمية العابرة.
وتتجاوز فكرة الممر السوري حدود النقل والرسوم والخدمات اللوجستية، إذ تدخل في صلب التحولات التي تعيد ترتيب الإقليم حول شبكات التجارة والطاقة والربط البري والبحري، حيث تتنافس مشاريع كبرى على وصل الخليج بتركيا وأوروبا وشرق المتوسط، من ممر الهند والشرق الأوسط وأوروبا إلى طريق التنمية العراقي التركي، وصولاً إلى شبكات الموانئ والطاقة التي تتقدم فيها قوى إقليمية مختلفة وفق حسابات متباينة.
سوريا داخل سباق الممرات الإقليمية
وفي هذا المشهد لا تظهر سوريا كطريق منفرد قادر على إزاحة المسارات الأخرى، وإنما كمسار إضافي تحاول دمشق إدخاله إلى خريطة مزدحمة، مستفيدة من موقعها بين تركيا والأردن والخليج والمتوسط، ومن حاجة بعض الأطراف إلى توزيع عقد العبور وعدم حصرها في مسار واحد، غير أن قيمة هذا الموقع تبقى مرتبطة بقدرة الداخل السوري على إنتاج شروط الثقة والاستقرار والضبط القانوني للعقود والمعابر، خصوصاً في الجنوب الذي يشكل ممراً أساسياً نحو الأردن والخليج ويظل في الوقت نفسه منطقة حساسة أمنياً بفعل التوترات المحلية والحسابات الإسرائيلية القريبة من الحدود.
وقال الكاتب والمحامي السوري أنس جودة، خلال حديثه لموقع تلفزيون سوريا، إن مشاريع الربط المطروحة حول سوريا تعكس انتقالاً إقليمياً نحو الاقتصاد الشبكي، حيث تتقدم عقد التجارة والطاقة والموانئ والسكك على كثير من أدوات النفوذ التقليدية، وتدخل دمشق هذا المجال وسط خرائط متداخلة تتوزع بين ممر الهند والشرق الأوسط وأوروبا، وطريق التنمية العراقي التركي، وشبكات المرافئ الممتدة من الخليج إلى شرق المتوسط، ما يجعل المسار السوري محاولة لإضافة خط آخر داخل بيئة إقليمية مزدحمة بالمصالح.
وتابع أن الجنوب السوري يمثل الحلقة الأكثر حساسية في أي ربط بري نحو الأردن والخليج، لأن الطريق يحتاج إلى ضبط أمني مستمر وإدارة واضحة للمعابر والحدود، في حين تجعل التوترات المحلية والحسابات الإسرائيلية القريبة من الحدود هذا الجزء من الخريطة السورية معرضاً للتعطيل، وتدفع أي طرف خارجي إلى قياس جدوى العبور من خلال الأمن وقدرة المؤسسات على حماية الطريق والعقود وحركة التجارة.
وأشار جودة إلى أن تجربة ما قبل عام 2011 تمنح قراءة واقعية لحدود العبور، فقد مر جزء واسع من الترانزيت بين تركيا والخليج عبر الأراضي السورية، وخلق ذلك نشاطاً مهماً في النقل والخدمات واللوجستيات، لكن القيمة الأعلى بقيت في سلاسل الإنتاج والتجارة خارج الاقتصاد السوري، وتآكل جزء من المكاسب داخل بنى الرسوم والوسطاء والخدمات المحدودة، ما يجعل العودة إلى وظيفة الترانزيت تحتاج إلى ربط أعمق بين الطريق والأسواق المحلية والقطاعات المنتجة.
وأوضح أن الخطر الأوسع يكمن في تحول الأراضي السورية إلى مساحة تشغيل لمصالح إقليمية ودولية تستخدم الطرق وفق حساباتها الخاصة، لذلك تحتاج مشاريع الممرات إلى مؤسسات قادرة على إدارة الموارد والعقود والمعابر بشفافية، وإلى قواعد تحد من احتكار القرار الاقتصادي، لأن غياب هذه الشروط قد يحول أي نجاح تقني في النقل إلى صيغة أكثر تنظيماً من اقتصاد الريع حول الطرق والحدود.
