فتح قائد قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، مظلوم عبدي، باباً جديداً في العلاقة المعقدة مع أنقرة، حين تحدث عن تحضيرات لزيارة محتملة إلى تركيا، قد تشمل لقاء مع زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان، المسجون في إمرالي.
وفي مقابلة مع موقع “المونيتور”، سئل عبدي عما إذا كان تلقى دعوة رسمية من الحكومة التركية، فأجاب: “يمكننا القول إن مثل هذه الخطط في مرحلة التحضير”. وعندما سئل عما إذا كانت الزيارة المحتملة قد تشمل لقاء مع أوجلان، قال: “نعم، يمكن أن يحدث”.
لا تكمن أهمية التصريح في الحديث عن زيارة بحد ذاته، بل في أنه جاء بعد مسار طويل بدأ داخل تركيا تحت عنوان “تركيا بلا إرهاب”، ثم اتسع تدريجياً ليصل إلى سوريا، حيث تضع أنقرة “قسد” ضمن ما تسميه امتدادات حزب العمال الكردستاني، بينما تسعى “قسد” إلى تقديم نفسها كقوة سورية يجري بحث مستقبلها مع الحكومة السورية الجديدة.
زيارة إلى أنقرة ولقاء محتمل في إمرالي
لم يقدم عبدي زيارته المحتملة إلى تركيا بوصفها خطوة مؤكدة أو نهائية، لكنه أشار إلى أن الإعداد لها جار. وهذا يمثل تطوراً لافتاً، لأن أنقرة تنفي علناً وجود مسار تفاوض مباشر مع “قسد”، وتربط أي تعامل معها بشروط تتعلق بنزع السلاح وحل البنية العسكرية.
بحسب ما نقلته “ميديا سكوب”، قال عبدي إن الاتصالات مع تركيا مستمرة، وإن خطة زيارة أنقرة “في مرحلة التحضير”. كما أجاب بالإيجاب عندما سئل عما إذا كان لقاء أوجلان قد يكون مطروحاً خلال الزيارة.
,أما “رووداو” فاعتبرت أن تصريحات عبدي تشير إلى “مرحلة جديدة” في العلاقة مع تركيا، خصوصاً أن الحديث لا يقتصر على قنوات اتصال غير معلنة، بل يصل إلى احتمال زيارة سياسية ولقاء مع أوجلان.
هذا التصريح لا يمكن فصله عن موقع أوجلان نفسه في مسار “تركيا بلا إرهاب”. فزعيم حزب العمال الكردستاني لم يعد، في الخطاب التركي والكردي خلال العام الأخير، مجرد زعيم حزب محظور في تركيا، بل تحول إلى طرف محوري في محاولة إنهاء الصراع الممتد منذ عقود بين تركيا وحزب العمال.
من مسار داخلي تركي إلى ملف إقليمي
بدأت عملية “تركيا بلا إرهاب” في سياق داخلي تركي، بعدما فتح رئيس حزب الحركة القومية دولت بهتشلي الباب أمام دور جديد لأوجلان، داعياً إياه إلى إعلان حل حزب العمال الكردستاني وإلقاء السلاح.
وبعد أشهر، نقل وفد حزب “DEM” رسالة أوجلان التي دعا فيها الحزب إلى نزع السلاح وحل نفسه، في خطوة وصفت بأنها قد تفتح الطريق أمام إنهاء صراع مستمر منذ أربعة عقود.
وعقب نداء أوجلان، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن جهود “تركيا بلا إرهاب” دخلت “مرحلة جديدة”، مضيفاً أن بلاده أمام فرصة لاتخاذ “خطوة تاريخية” في طريق هدم ما سماه “جدار الإرهاب”.
لكن المسار لم يبق محصوراً بحزب العمال داخل تركيا أو في جبال قنديل. فأنقرة وسعت سريعاً نطاقه إلى العراق وسوريا، معتبرة أن نجاحه لا يكتمل إلا بتفكيك ما تصفه بفروع حزب العمال وامتداداته. وهنا تحديداً دخلت “قسد” في قلب النقاش.
“لا معنى لنزع سلاح حزب العمال من دون امتداداته”
منذ إعلان أوجلان دعوته إلى حل حزب العمال، بدا واضحاً أن تركيا تريد أن تشمل العملية القوى الكردية المسلحة المرتبطة، وفق تصنيفها، بحزب العمال في سوريا والعراق.
ونقلت “رويترز” عن حزب العدالة والتنمية الحاكم أن الجماعات الكردية المسلحة في العراق وسوريا، بما فيها قوات سوريا الديمقراطية المتحالفة مع واشنطن، يجب أن تلقي السلاح بعد نداء أوجلان.
كما ذكرت “أسوشيتد برس” أن تركيا طالبت بحل الجماعات المرتبطة بحزب العمال في العراق وسوريا، بما يشمل وحدات حماية الشعب، في حين قالت “قسد” إن نداء أوجلان لا ينطبق عليها.
بهذا المعنى، لم تكن “قسد” طرفاً مباشراً في نداء أوجلان، لكنها أصبحت جزءاً من اختبار نجاحه بالنسبة إلى أنقرة. فتركيا ترى أن أي تسوية مع حزب العمال تبقى ناقصة إذا بقيت البنية العسكرية الكردية في شمال شرقي سوريا قائمة بصيغتها الحالية.
في الجهة المقابلة، حاول مظلوم عبدي منذ البداية رسم حدود واضحة بين مسار حزب العمال الكردستاني داخل تركيا وبين وضع “قسد” في سوريا. فقد رحب بنداء أوجلان، لكنه قال إن الدعوة لا تتعلق بـ”قسد”، وإنها تخص حزب العمال الكردستاني.
حزب “DEM” يمهد لفكرة لقاء أوجلان وعبدي
لم تظهر فكرة لقاء عبدي بأوجلان فجأة في مقابلة “المونيتور”. فقد طرحتها قيادة حزب “DEM” قبل أشهر، في سياق الحديث عن ضرورة ربط مسار إمرالي بما يجري في سوريا.
وقالت المتحدثة باسم الحزب، أيشغول دوغان، إن أوجلان يريد لقاء مظلوم عبدي، مضيفة: “إذا لم يكن الآن فمتى؟ لأن ما يجري هناك يؤثر هنا، وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها”.
ودعت دوغان إلى “فتح الطريق” أمام تواصل أوجلان المباشر مع عبدي، وأن ينقل إليه مقترحاته مباشرة. كما قالت إن المطلوب من تركيا في سوريا هو لعب دور “بناء” و”مشجع للحوار”.
ويضع هذا التصريح كلام عبدي الأخير في سياق طويل، فلقاء أوجلان لم يكن تفصيلاً طارئاً في مقابلة إعلامية، بل مطلباً سياسياً طرحه حزب “DEM” باعتباره حلقة ضرورية لتمديد مسار “تركيا بلا إرهاب” إلى الملف السوري.
في الوقت نفسه، ظلت أنقرة حذرة في خطابها العلني. فكلما تحدث عبدي أو مصادر كردية عن قنوات تواصل مع تركيا، نفت أنقرة وجود مفاوضات رسمية مباشرة مع “قسد”.
ونقلت وسائل إعلام تركية عن المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية عمر جليك نفيه حصول اجتماع بين أنقرة والسلطات الكردية في سوريا، مؤكداً أن تركيا تريد رؤية حزب العمال الكردستاني يلقي السلاح خلال الأشهر المقبلة.
وأضاف جليك أن أنقرة تطالب بحل “قسد” ونزع سلاحها بالكامل، وأن أي مسار لا يمكن أن يتجاوز هذه الشروط.
الزيارة المحتملة كاختبار للعقدة السورية
العنصر الأبرز في كلام عبدي الأخير أنه لم يتحدث عن زيارة تركيا بمعزل عن دمشق. فقد ربط الاتصالات مع أنقرة بمسار الاندماج مع الحكومة السورية الجديدة، وقال إن مشاركة دمشق في أي حوار يمكن أن تجعل النتائج أفضل. كما أشار، وفق تقارير كردية، إلى استمرار التواصل مع الرئيس السوري أحمد الشرع بشأن تنفيذ مسار الاندماج.
ومن هنا تبرز أهمية الزيارة المحتملة إلى تركيا، وخصوصاً احتمال لقاء أوجلان. فهي قد تمثل نقطة التقاء بين ثلاثة مسارات، مسار “تركيا بلا إرهاب” داخل تركيا، ومسار إمرالي الذي جعل أوجلان طرفاً مركزياً في تفكيك حزب العمال، ومسار اندماج “قسد” مع دمشق.
وبينما ترى تركيا أن نجاح المسار يتطلب نزع سلاح كل ما تعده امتداداً لحزب العمال، يحاول عبدي تقديم طريق آخر يقوم على إشراك دمشق وتحويل “قسد” من ملف أمني تركي إلى جزء من تسوية سورية داخلية.

