بعد سنوات طويلة من الحرب والانهيار الاقتصادي وتراجع الخدمات، يترقب السوريون أي تحرك استثماري يمكن أن ينعكس على حياتهم اليومية ويعيد جزءًا من الأمل بإمكانية استعادة عجلة التنمية.
وفي بلد أنهكته الأزمات، لم تعد المشاريع تُقاس فقط بحجم الأبنية أو الكلفة المالية، بل بما يمكن أن توفره من فرص عمل، وتحسين للبنية التحتية، وإعادة إحياء للمساحات العامة التي فقدت دورها خلال السنوات الماضية.
وفي هذا السياق، تبرز المشاريع المعلنة في جبل قاسيون كواحدة من أبرز الوعود التي تطرحها محافظة دمشق لإعادة تنشيط الحركة السياحية والخدمية والاستثمارية، مع حديث عن آلاف فرص العمل ومساحات مجانية وخدمات حديثة ومشاريع تعتمد على الاستدامة والابتكار.
إلا أن هذه الوعود تُقابل أيضًا بتساؤلات في الشارع السوري عن مدى إمكانية تنفيذها فعليًا على أرض الواقع، وقدرة الجهات المعنية على تحويل الخطط المعلنة إلى مشاريع مكتملة تنعكس بشكل مباشر على حياة السكان وظروفهم المعيشية.
تلفريك قاسيون ووعود العمل والاستثمار
أعلنت محافظة دمشق خلال انطلاق مشروع رحلة قاسيون عن حزمة مشاريع ضمن خطة تأهيل وتطوير جبل قاسيون، شملت تنفيذ مشروع تلفريك يمتد من حديقة الأمويين إلى قمة الجبل بطول 2.4 كيلومتر، إلى جانب إنشاء مرآب طابقي تحت الأرض لتحسين الواقع المروري وتخفيف الازدحام في المنطقة.
كما تتضمن الخطة تطوير منظومة النقل الداخلي عبر وسائل نقل جماعي تنطلق من عدة محطات رئيسية، إضافة إلى تأهيل حديقة الشامي، وإنشاء أكشاك ومحال تجارية، ومدرج ومسرح أطفال مخصص للأنشطة الثقافية والترفيهية.
وأكد محافظ دمشق ماهر مروان إدلبي أن نحو 70% من المشروع سيكون مجانيًا ومتاحًا للعامة، موضحًا أن المشروع يضم جلسات عامة ومسارات للمشاة ومرافق خدمية ومساحات للشباب والابتكار والحرف اليدوية، مع توفير بنى تحتية جديدة للكهرباء والصرف الصحي.
كما كشف عن أكثر من 7000 فرصة عمل ومئات الفرص الاستثمارية الصغيرة والمتوسطة، مشيرًا إلى أن طرح الفرص سيتم عبر منصة إلكترونية تعتمد معايير شفافة وواضحة.
“قاسيون يبدل مشهد السنوات “
خلال حفل إطلاق المشروع، جرى التأكيد على أن إعادة صياغة جبل قاسيون لا تقتصر على الجانب السياحي فقط، بل تهدف إلى تحويل مكان ارتبط خلال السنوات الماضية بذاكرة الحرب والقصف إلى مساحة تحمل بعدًا تنمويًا وثقافيًا واجتماعيًا للسوريين.
وأوضح القائمون على المشروع أن قاسيون سيصبح وجهة مفتوحة للعامة عبر ممشى ومدرجات ومساحات مجانية متاحة للجميع، إلى جانب فعاليات ثقافية وترفيهية وأنشطة ليلية، مع التركيز على تمكين الشباب ودعم الابتكار وخلق فرص عمل تحدّ من الهجرة، باعتبار المشروع “سوريًا بامتياز”.
كما تم التأكيد على إشراك ذوي الهمم ضمن الخدمات والمرافق، وإحياء التراث السوري عبر أنشطة ومشاريع متنوعة، إضافة إلى تخصيص محال تجارية بأجور رمزية تُطرح عبر مسابقات معلنة.
وأشار المتحدثون إلى أن المشروع سيعتمد على منصة رقمية لعرض الفرص الاستثمارية بشفافية، مؤكدين أن “المستثمر الأول بالنسبة لهم هو السوري”، وأن الاستثمار في سوريا اليوم يحتاج إلى الجرأة والثقة بقدرة السوريين على إعادة بناء مدنهم ومساحاتهم العامة.
نافذة دمشق على العالم
أوضح المستثمر أحمد بكداش، في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن الحديث عن جبل قاسيون يحمل بعدًا رمزيًا عميقًا، مشبهًا إياه في مكانته بجبل أحد في المدينة المنورة، باعتباره معلمًا يرتبط بوجدان أهل دمشق ويشكّل نافذتهم على العالم.
واعتبر أن مبادرة “رحلة قاسيون” جاءت لتعكس جزءًا كبيرًا من الأفكار المتداولة في الشارع الدمشقي حول تطوير الجبل، رغم أنها لا تشمل جميع التصورات المطروحة، لكنها تعبّر عن اتجاه عام نحو إعادة إحيائه.
وشدد بكداش على ضرورة بناء رؤية متكاملة للمشاريع بحيث تتكامل الأدوار بين السياحي والترفيهي والثقافي دون تكرار، مع الالتزام الصارم بالزمن في التنفيذ وإعلان المدد بشكل واضح، في محاولة لكسر نمط المشاريع غير المكتملة.
كما أشار إلى أن المشروع يمكن أن ينعكس اقتصاديًا عبر تنشيط السياحة الداخلية، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتحريك سلاسل الإمداد، بما يسهم في إعادة تموضع دمشق كوجهة استثمارية تدريجيًا.
وفي المقابل لفت بكداش إلى وجود تحديات أساسية، أبرزها الإطار التشريعي المرتبط بملكية الدولة وضرورة تنظيم عقود استثمار توازن بين جذب المستثمرين والحفاظ على الملكية العامة،.
إضافة إلى التحدي المرتبط بالقوة الشرائية للمواطن، ما يستدعي توفير مساحات وخدمات بأسعار مناسبة تتيح لجميع فئات المجتمع الاستفادة من المشروع، إلى جانب أهمية معالجة الجانب الأمني لضمان استقرار الزوار والمستثمرين.
وختم حديثه موضحًا أن نجاح هذه الرؤية قد ينعكس بشكل كبير على مستقبل دمشق ويمنحها دفعة تنموية مهمة إذا ما نُفذت ضمن بيئة قانونية وتسعيرية متوازنة.
التصميم في بيئة جبلية حساسة
من حيث البيئة الهندسية أوضحت المهندسة المعمارية سارة الدعيس، في حديثها لموقع تلفزيون سوريا، أنها اطّلعت على لقطات أولية من المشروع دون الدخول في تفاصيل المخططات التنفيذية، ما يتيح تقديم تقييم عام فقط.
واعتبرت أن المشروع يُعد خطوة إيجابية تُحسب للجهات القائمة عليه، خاصة أنه يتناول موقعًا رمزيًا وحيويًا في دمشق، وأن إعادة تفعيله تعكس توجهًا نحو إحياء المدينة وتعزيز مسار إعادة الإعمار.
أما من الناحية التصميمية فأشارت الدعيس إلى أن المشاريع الواقعة في البيئات الجبلية تتطلب الحفاظ على البساطة والتناغم مع الطبيعة المحيطة وهوية المكان، بعيدًا عن المبالغة في الطابع العمراني الحديث، بحيث يحقق التصميم توازنًا بين المعاصرة واحترام خصوصية الموقع.
أما على مستوى التحديات، فرأت أن الجانب التنفيذي يُعد الأبرز، نظرًا لحساسية الموقع من الناحية الجغرافية ووجود امتداد سكني قريب، إضافة إلى طبيعة التضاريس والانحدارات الشديدة، ما يجعل أعمال الحفر والتنفيذ أكثر تعقيدًا وتتطلب دراسات إنشائية دقيقة وحلول تدعيم مدروسة لضمان السلامة والاستقرار.
وأعربت عن أملها بأن تكون هذه الجوانب قد أُخذت بعين الاعتبار من قبل الفريق الهندسي، مع أهمية إتاحة مزيد من الشفافية مستقبلاً عبر نشر الدراسات والتفاصيل الفنية للمشروع.
الاقتصاد وإعادة هيكلة العشوائيات
في هذا السياق، أوضح الباحث الاقتصادي أدهم قضيماني لموقع تلفزيون سوريا أن هذه المشاريع قد تشكّل ركيزة أساسية لانطلاق مشاريع تنموية أوسع في دمشق، إلا أن تنفيذها يرتبط بمرحلة اندماج الاقتصاد السوري، ولا سيما القطاع المالي، مع الاقتصاد العالمي.
وبيّن أن مثل هذه المشاريع لا يمكن أن تحصل على التمويل والدعم المطلوب إلا عبر القنوات الرسمية، ما قد يفرض تأخيرًا في تنفيذها إلى حين معالجة الإشكالات المرتبطة بالقطاع المصرفي وعلاقته بالنظام المالي العالمي.
وأضاف أن أي مخطط تنموي يصدر عن المحافظات يجب أن يترافق مع رؤية لإعادة تنظيم العشوائيات التي تنتشر في مختلف المناطق، معتبرًا أن هذه المناطق يمكن أن تتحول إلى فرص تطوير إيجابية إذا ما وُضعت ضمن مخططات وهيكليات تنظيمية واضحة.
ولفت إلى أن وجود مشاريع كبرى من هذا النوع من شأنه أن يشجع الشركات على الدخول في عمليات إعادة تنظيم وتأهيل تلك المناطق، بما يسهم في تحويلها إلى بيئات عمرانية أكثر استقرارًا وتنظيمًا ضمن رؤية تنموية شاملة.
شارك هذا المقال

